“مع الفقر، يصبح العمل على أي شيء، بطيئاً جداً”، يقول لـ”يمن سايت” أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة صنعاء، البروفيسور إحسان شاهر، الذي اضطرته الظروف المعيشية أن يعلن عبر حسابه على فيسبوك، عن استعداده تقديم خدمة تحرير الكتب والترجمة من وإلى لغات مختلفة، في محاولة منه لإيجاد حل بديل لمواجهة أعباء المعيشة، بعد حوالي 7 سنوات من توقف رواتب الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة حكومة صنعاء غير المعترف بها دولياً.
ينتمي شاهر ، نظرياً، إلى الطبقة الوسطى، لكن هذه الطبقة اضمحلت، وصار كثير من أفرادها في عداد الفقراء، في واحدة من النتائج الكارثية للصراع على السلطة، الذي يشهده اليمن منذ صيف 2014.
الراتب بدل الديمقراطية
قبل تهاوي قيمة العملة اليمنية بفعل الصراع، كان شاهر يحصل على راتب 300 ألف ريال، ما يعادل نحو 1400 دولار أمريكي (بسعر صرف عام 2014)، أما اليوم فراتبه يعادل 200 دولار فقط، حسب سعر الصرف في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دولياً، و400 دولار في مناطق سلطة صنعاء الموصوفة بالانقلابية.
وفيما تبدو عملية اللجوء إلى خيارات بديلة للعيش، مسألة صعبة ومرهقة بالنسبة لنخبة البلاد الأكاديمية، فإن عملية صرف رواتبهم تزداد تعقيداً، بعد أن أصبحت مجالاً للاستثمار السياسي متعدد الأوجه.
على مدى قرون ظلت الفلسفة في المنطقة العربية مذمومة ومحاربة من قبل السلطات السياسية والدينية على السواء، وها هي اليوم تواجه طعنة جديدة بحربة التجويع الممنهج الموجهة للمشتغلين في الفلسفة وللطبقة الوسطى إجمالاً.
وبدلاً من المطالبة بدمقرطة الدولة والمجتمع، صار المطلب الرئيس لشاهر وزملائه الأكاديميين، هو الحصول على راتب كامل ومنتظم يؤمّن معيشة أطفالهم.
آخر راتب كامل، استلمه إحسان شاهر، كان راتب أغسطس 2016، بعدها نقل البنك المركزي إلى العاصمة المؤقتة عدن، وتوقفت سلطات صنعاء عن صرف رواتب الموظفين، بذريعة “نقل البنك إلى عدن”، من حينها، لا يحصل سوى على راتبين في السنة.
في يونيو الماضي، استلم شاهر وزملاءه العاملون في مناطق سيطرة حكومة صنعاء، والذين يشكلون مع عائلاتهم ربع السكان، النصف الثاني من مرتب شهر أغسطس 2018، في مفارقة تذكر بمنطق السلحفاة للفيلسوف اليوناني زينون الايلي (490 ق.م-430 ق.م)، وهي القصة التي يعرفها جيداً طلاب الفلسفة.
دأبت سلطات صنعاء على تقسيم الراتبين اللذين تصرفهما للموظف سنوياً، على أربع مناسبات، مثل حلو ل شهر رمضان، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، وبداية العام الجديد، حسبما يشرح شاهر، مشبهاً هذه السياسة، بأنها كمن يسكن آلام شخص مصاب بالسرطان بإعطائه الأسبرين. أما اختيار التوقيت فهو يشبه الأعطية بدافع خيري.
إذلال ممنهج
لتوفير متطلبات المعيشة الضرورية، لجأ شاهر كغيره من أساتذة الجامعات الواقعة تحت سيطرة سلطة صنعاء، إلى بيع مدخراته: “بعنا الذهب وكل مدخراتنا”، ثم بعدها لجأ إلى الديون التي أصبحت متراكمة، لدرجة أنه استنفد قائمة المعاريف الذين يمكنه الاستدانة منهم كلما واجه ضائقة.
ولأنه لم يتمكن من إعادة الديون السابقة، بات يخجل من طلب سلفة جديدة. يوجز شاهر هذا الوضع بقوله: “حياتنا بهذلة ما بعدها بهذلة”.
تخلى شاهر عن بنود كثيرة، كان يصرف ماله عليها، في سنوات ما قبل الحرب عندما كانت الرواتب “محترمة”، لكن بنوداً أخرى ترفض أن تتخلى عنه، كونه في العقد السابع من العمر، فإنه يواجه عدة أمراض مزمنة تحتاج إلى أدوية منتظمة.
لم يعد أكثر الأساتذة قادرين على علاج أنفسهم وأفراد أسرهم، لاسيما وأنه ليس لديهم تأمين صحي مثل موظفي بعض المؤسسات الحكومية. انحدر معظم الأساتذة إلى ما تحت مستوى الفقر، وفقدوا هيبتهم بين الناس وبين طلابهم. “الكثير منهم يمشون في ثياب رثة، ويلقون محاضراتهم بتلك الملابس التي تثير الشفقة”، يقول شاهر.
توترت العلاقات الاجتماعية في إطار أسر الأساتذة بسبب الفقر المدقع، لأنهم غير قادرين على شراء الضروري من الحاجيات المادية، وتوفير المصاريف اليومية لزوجاتهم وأبنائهم، ودفع نفقات تعليم أولادهم وبناتهم، حسبما اشتكى البعض.
على الرغم من كونها تمنح أجوراً متدنية لمن يعملون فيها، إلا أن اللجوء للتدريس في الجامعات الخاصة، كما يفعل كثير من أساتذة الجامعة، ليس متاحاً أمام البروفيسور إحسان شاهر، فتخصصه في الفلسفة، ليس من النوع الذي تطلبه الجامعات الخاصة، التي تهتم بأساتذة الهندسة والطب وأيضاً العلوم الإدارية.
لهذا السبب تقريباً أعلن شاهر عن خدمة الترجمة التي قال إنه يمكنه تقديمها: “أفضل من مكاتب الترجمة التي تقدمها بصورة سيئة أو لا تقدمها”. لكن منذ إعلانه في 11 يوليو الماضي، وحتى تاريخ نشر هذا المقال، لم يتواصل أحد مع شاهر لطلب الخدمة.

الأبناء، الذين كان عليهم في الماضي، أن يهتموا بتعليمهم، ويواصلوا دراساتهم الجامعية، بات عليهم البحث عن عمل، وأن يأخذوا على عاتقهم توفير مستلزمات الحياة الأساسية للأسرة بكاملها. وهو ما يلاحظه شاهر لدى كثير من زملائه.
لعل واحدة من أكثر الانحرافات التي ستظهر خلال السنوات القادمة، هي أن أبناء الأكاديميين، خريجي أشهر الجامعات، بالكاد ينهون دراستهم الثانوية. ثم يصبح عليهم العمل بعد ذلك في مهن تضمن حداً أدنى من الدخل لكي تعيش أسرهم.
يوصف شاهر من قبل طلابه بالأفضل في مجال تخصصه، ويأتي تقريباً بعد زميله الراحل أبو بكر السقاف. وكلاهما درسا في الاتحاد السوفيتي، وعملا في قسم الفلسفة بجامعة صنعاء.
عند حصوله على الدكتوراه، من جامعة موسكو، في عام 1989، كان شاهر يحمل آمالاً عريضة لتغيير وطنه إلى الأفضل: “كنا نحلم أن ننقل البلاد من التخلف إلى بوابة العصر الحديث، وأن نشيد العدل الاجتماعي”. أما اليوم فقد تغير كل شيء، وأصبح التخلف هو من يقود الجميع.
والمفارقة أن يكون على رأس هذا التخلف أكاديميون، فرئيس مجلس القيادة الرئاسي في عدن الدكتور رشاد العليمي، هو زميل شاهر في كلية الآداب، وكذلك رئيس حكومة صنعاء الدكتور عبدالعزيز بن حبتور، ورئيس حكومة عدن الدكتور معين عبدالملك، هما أكاديميان أيضاً.
وردت قضية صرف الرواتب من إيرادات ميناء الحديدة، ضمن اتفاق ستوكهولم الذي رعته الأمم المتحدة، نهاية عام ٢٠١٨، لكن ما حصل هو أن معظم بنود ذلك الاتفاق نُفذت باستثناء صرف الرواتب.
يقول البروفيسور إحسان شاهر: “بسبب الفقر المدقع والقهر الداخلي، أصيب العديد من الأساتذة بالأمراض، ومات الكثير منهم وهم يتمنون أن يستردوا حتى جزءاً من حقوقهم”.
لقد جعلهم قطع الرواتب لفترة طويلة، يشعرون بأنهم ليسوا مواطنين، ومنبوذين، ومادة للاستغلال السياسي غير الأخلاقي. لهذا لا يثق إحسان شاهر بجدية الأطراف المحلية، ويرى أن الحل يجب أن يكون تحت إشراف الأمم المتحدة، بإنشاء آلية ملزمة، مستقلة عن السلطات القائمة، لصرف رواتب أساتذة الجامعات.
في التاسع عشر من يوليو الماضي، دخل البروفيسور إحسان شاهر في عقده السابع، هو راضٍ عما قدمه طوال مسيرته العلمية، كما يقول، لكن أمله في ما تبقى له من عمر، هو أن يعيش بكرامة: “في عمري هذا ما أتمناه هو أن أعيش عيشة إنسانية”.