في وقت تلاشت فيه حرية التعبير، وتبددت إمكانية التظاهر السلمي، نشر نشطاء يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لهم بالأبيض والأسود مقلوبة “رأسا_على _عقب“، ضمن حملة إليكترونية، دعا إليها رسام الغرافيتي مراد سبيع، احتجاجاً على التجويع الممنهج الذي تمارسه بحق المدنيين الأحزاب اليمنية ومليشياتها المستمرة منذ عام 2012 في تقاسم السلطة.
حملة “رأسا_على_عقب” تزامنت مع زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى القدس والسعودية، إلا أن سبيع قال لـ”يمن سايت ” إن رسالة الحملة موجهة إلى المواطنين اليمنيين أنفسهم، وليس لأطراف خارجية. مشيراً إلى أن هدف الحملة توحيد صف المدنيين حول قضية التجويع الممنهج الذي تمارسه أطراف الصراع ومليشياتها.ويعاني أكثر من 19 مليون يمني من الجوع، بينهم أكثر من 160.000 شخص على حافة المجاعة حسبما تقول الأمم المتحدة التي تصنف الأزمة في اليمن بأنها الأسوأ على مستوى العالم، إلا أن المنظمة الأممية التي تقدم نفسها كراعية للسلام العالمي ومنقذ للجياع، تواطأت مع النخب السياسية الفاسدة لتحويل الحوار الوطني إلى حرب مدمرة، حسب دراسة للمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات.
خيانة مقدسة

توصف ثورات الربيع العربي بالحركة الشعبية الفريدة من نوعها في تاريخ المنطقة المثخن بالانقلابات العسكرية والغزوات البينية. إلا أن تلك الثورات التي أخذت شكل احتجاجات جماهيرية سلمية غير منظمة، تعرضت للخيانة والسحق في شكل يفوق ما حدث عام 1948، عندما أباح ملك شمال اليمن آنذاك، الإمام أحمد حميد الدين، للقبائل الموالية له، اجتياح مدينة صنعاء ونهبها انتقاماً من معارضيه.
شبيه من ذلك، بل أسوأ كثيراً، واجهته ثورات الربيع في اليمن وبقية البلدان العربية، التي وإن تباينت أشكال الثورات المضادة فيها، إلا أنها تلتقي جميعاً في كون هذه الانقلابات أعادت الأوضاع إلى أسوأ مما كانت عليه عشية اندلاع الاحتجاجات الشعبية.
فبدلاً من توسيع الحريات وتحسين المعيشة التي خرج من أجلها المتظاهرون، في 2011، صار صرف رواتب الموظفين الحكوميين الموقوفة، والحصول على لقمة العيش، مطلب وغاية ملايين اليمنيين الذين بات بعضهم يترحم على أيام النظام السابق.
“البطون الخاوية لا يمكن أن تقف على قدميها”، يقول سبيع، مؤكداً الحاجة إلى أن يلتقي المدنيون المغلوبون على أمرهم حول مطالب ملحة مثل صرف الرواتب الموقوفة منذ نهاية 2016، وكبح جماح ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي تكاد تضاهي الأسعار في أوروبا، حسب تعبيره.
ولئن بدا سبيع متفائلاً بإمكان أن تترك حملته أثراً إيجابياً، إلا أن محمد عادل (33 عاماً)، وهو أحد الشبان الذين شاركوا، عام 2011، ضمن اعتصامات ساحة الحرية في مدينة تعز، يرى أن الحملات الإلكترونية بالنسبة لليمن باتت “أشبه بممارسة العادة السرية”.
يقول عادل لـ”يمن سايت”: أساليب الضغط قد تكون مفيدة في البلدان المستقرة التي تتوفر فيها مؤسسات للرقابة والمساءلة، أما في اليمن المسحوق منذ 8 سنوات تحت بنادق المليشيات الحزبية، فلا جدوى من الحملات. موضحاً أنه ما لم تثر قواعد الأحزاب على قياداتها “فسنبقى على شاكلة الرعوي الذي يتبع شيخ قبيلته بالحق والباطل”.
وكانت أحزاب المعارضة المعروفة باسم “تحالف اللقاء المشترك”، نابت في 2011 عن شباب الثورة، وعقدت صفقة مع النظام، برعاية دولية وإقليمية، قضت بتقاسم الحكم مع الحزب الحاكم وشركائه. الصفقة انتهت لاحقاً بالتخلص من شخصيات ومراكز نفوذ داخل الطرفين، لم تعد مرغوبة دولياً وإقليمياً، مثل علي عبدالله صالح وبعض أفراد عائلته، والقائد العسكري علي محسن الأحمر، وعائلة الشيخ الراحل عبدالله بن حسين الأحمر.
لكن تلك الصفقة التي أخذت منذ سبتمبر 2014 شكل حرب مفتعلة، لم تقف عند التخلص من غير المرغوب فيهم، وإعادة هيكلة الدولة بما يتواءم مع الحرب الدولية ضد الإرهاب والتطبيع مع إسرائيل، بل امتدت إلى تجويع الشعب اليمني وإذلاله ليكون عبرة لبقية شعوب دول المنطقة، خصوصاً تلك التي لاتزال تحكمها عائلات بالوراثة، حسبما يرى عادل وآخرون.
استكشاف مبكر
عند اندلاع ثورة 11 فبراير 2011 المطالبة بإسقاط نظام الرئيس علي عبدالله صالح؛ كان سبيع في الثالثة والعشرين من العمر. وما يميز سبيع، كما يرى البعض، ليس كونه أول من بشر بفن الغرافيتي في بلاده، بل رؤيته المبكرة للمخاطر التي تُحدق بثورة الشباب، وهي مخاطر ترقى إلى مستوى خيانة وطنية اقترفتها الأحزاب اليمنية المتهمة بالمزاوجة بين السياسة والعنف.
في يوليو 2020 قالت الأمم المتحدة إن الحرب “قلبت حياة اليمنيين رأساً على عقب”، بيد أن وكالات الأمم المتحدة ومبعوثي الأمين العام إلى اليمن، تستروا على حقيقة ما يجري في اليمن، وشاركوا في تجويع اليمنيين وإذلالهم، حسب تقارير موثقة.
عقب تقديم المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، إحاطته إلى مجلس الأمن، في 11 يوليو الجاري، علق عشرات اليمنيين على تغريدة نشرها غروندبرغ على حسابه في “تويتر” و”فيسبوك”، متسائلين بغضب عن سبب خلو إحاطته من الإشارة إلى قضية المرتبات التي تضمنتها اتفاقات سابقة كاتفاق ستوكهولم والهدنة الجديدة التي يتفاخر غروندبرغ بإنجازها.
هذه الشكاوى والتعليقات المرتبطة بقضايا المعيشة والمرتبات، ظلت تتكرر منذ سنوات حسبما رصد “يمن سايت”، بيد أن المبعوثين تعاملوا معها كمادة للاستهلاك الإعلامي، تبعهم في ذلك مجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل في العاصمة السعودية في أبريل الماضي، سبق لمراكز بحوث الترويج له كبديل لسلطة الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي.
في غرافيتي نُفذ قبل شهور من انقلاب ٢١ سبتمبر 2014، رسم سبيع العملات الإيرانية والسعودية والأميركية، ضخمة وعالية، فيما الساجدان لها ضئيلان وواطئان، وهي صورة وسمت تاريخ اليمن الحديث شمالاً وجنوباً، حيث كان اليمن في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ساحة حرب بالوكالة عن المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.
ذلك الرسم الذي نُفذ على جدار في شارع الرياض (هائل سابقاً) في العاصمة صنعاء، ضمن حملة تناولت قضايا عدة، بينها الخيانة الوطنية، بدا بمثابة استكشاف لما بات يسمى جيلاً جديداً من المرتزقة، وهي جماعات سياسية ودينية تم إحلالها بتواطؤ دولي وإقليمي، محل الجماعات السياسية والدينية التقليدية التي تحالفت مع الغرب إبان الحرب الباردة، قبل أن تغدو متهمة بالمشاركة المباشرة وغير المباشرة في هجمات 11 سبتمبر 2001.
ويرى سبيع الذي نفذ منذ عام 2012 عشرات الحملات تناولت قضايا وطنية مجتمعية حساسة، مثل الكراهية والإخفاء القسري والخيانة الوطنية، أن اليمنيين صاروا بلا مشروع يحميهم، خصوصاً مع استمرار ارتهان الأطراف اليمنية لجهات خارجية.
هكذا يبدو الشعب اليمني مجدداً ضحية تآمر نخبه السياسية، في تجسيد حديث لما يسمى “عقدة ذي يزن”، نسبة إلى الملك اليمني القديم سيف بن ذي يزن (516-574م)، الذي تقول روايات الإخباريين العرب إنه استعان بالفرس لتحرير بلاده من الأحباش، فكان أن حل الغزاة الجدد محل الغزاة القدماء. مع فارق أن غزاة اليمن اليوم هم مزيج من الداخل والخارج في آن واحد.