لم تلقِ الأزمة الاقتصادية المتصاعدة في العاصمة اليمنية صنعاء، بظلالها على ذوي الدخل المحدود والموظفين الحكوميين المحرومين من رواتبهم منذ سنوات فحسب، بل امتدت آثارها لتشمل الميسورين، وأصحاب الأرصدة البنكية لدى البنوك الحكومية والأهلية على السواء.
ومنذ نقل مقر عمليات البنك المركزي اليمني إلى العاصمة المؤقتة عدن، أواخر العام 2016، وما تلى ذلك من انقسام اقتصادي وعملتين نقديتين، والعاصمة صنعاء تعيش تحت وطأة أزمة اقتصادية، وشحة غير مسبوقة في السيولة النقدية للعملة الوطنية.
أبرز ملامح تلك الأزمة، تجلت في قيام سلطات الانقلاب التي تسيطر على صنعاء ومعظم مناطق الشمال، بفرض تداول الفئات التالفة من الريال اليمني، واعتبارها العملة القانونية المعترف بها، في مقابل منع الفئات النقدية المطبوعة حديثاً من قبل البنك المركزي الخاضع لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً في عدن.
أدى احتفاظ سلطات الانقلاب بفرع البنك المركزي في صنعاء كبنك مركزي لمناطق سيطرتها، إلى انقسام نقدي ومالي، وتسبب ذلك في حرمان موظفي الدولة بمناطق سيطرة الانقلابيين من مرتباتهم الشهرية التي تدفعها الحكومة المعترف بها دولياً، فضلاً عن ذلك دفع المودعون لدى البنوك العاملة في العاصمة صنعاء، الثمن باهظاً، إذ باتت أرصدتهم البنكية مجرد أرقام يحتفظون بها في ذاكراتهم، وفقاً لمتعاملين تحدثوا لـ”يمن سايت”.
شبكات وسماسرة
يقول موظف متقاعد في شركة النفط اليمنية، طلب عدم الكشف عن هويته، إنه أودع كل ما ادخره بالعملة الأجنبية في مصرف تجاري في صنعاء، إلا أن المصرف يرفض السماح له بالسحب، باستثناء خمسين ألف ريال (أقل من 100 دولار)، وهو “مبلغ لا يكفي إيجار الشقة التي أسكنها”، حسب تعبيره.
وفي وقت تتهم الأمم المتحدة بالتغاضي عن القضايا المتعلقة بحياة المواطنين، وتمكين أطراف الصراع من الموارد العامة، يشير الذين تحدث إليهم “يمن سايت” إلى وجود شبكات سماسرة تعرض خدمات السحب من الحساب مقابل عمولة تصل إلى أكثر من 50% من المبلغ المسحوب.

ووفقاً لأحمد العريقي، وهو مصرفي وموظف سابق في بنك حكومي، فقد تعرضت البنوك التجارية والإسلامية لأضرار بالغة نتيجة السياسات التي بدأ بنك صنعاء بتنفيذها منذ منتصف العام 2017، ضمن معركة اقتصادية مع البنك المركزي المعترف به دولياً.
وكشف العريقي لـ”يمن سايت”، أن بنك صنعاء لم يتخذ تلك الخطوة سوى بعد فوات الأوان، حيث شهد العام 2016 ومطلع العام 2017، قيام التجار والبنوك بسحب أكثر من 500 مليار ريال من الودائع لدى البنك المركزي في صنعاء.
عاش البنك المركزي في صنعاء حالة من الارتباك بعد نقل مقر عملياته إلى عدن، ومنذ منتصف العام 2017، كانت سلطات الانقلاب توجّه بعدم التعامل مع المطبوعات النقدية الصادرة عن البنك المركزي في عدن من فئة 500 ريال فقط، قبل أن يمتد الحظر إلى فئة الألف ريال منذ منتصف عام 2018، وتشهد صنعاء أزمة سيولة نقدية خانقة مازالت متفاقمة حتى اليوم.
قبل ذلك، كانت البنوك التجارية والإسلامية قد بدأت إجراءات لتضييق الخناق على عملائها، حيث قيّدت الوصول إلى الودائع الموجودة منذ العام 2015 نتيجة تأثيرات الحرب على القطاع المصرفي.
تتجلى مظاهر الأزمة المصرفية في شح السيولة الحاد، إذ لم يعد بمقدور المودعين، الذين يمتلكون ودائع بملايين الريالات، الحصول على أموالهم من أجل تسيير أمورهم التجارية أو تلبية أبسط متطلبات الحياة اليومية، ووفقاً لمتعاملين، فإن بعض البنوك، ومنها اليمني للإنشاء والتعمير والتسليف الزراعي، قامت بتحديد سقف السحب الشهري بـ50 ألف ريال فقط.
قال أحد المودعين في بنك حكومي لـ”يمن سايت”، إن بنوك صنعاء تتعامل مع المودعين كمتسولين، وليس أصحاب حقوق لديهم ودائع وفوائد سنوية من المفترض أن يتم تسليمها متى شاء العملاء.
وأضاف: “في العام الماضي، كانت البنوك قد أقرت مبلغ ثلاثين ألف ريال كسقف نصف شهري للمبالغ المسحوبة، لكنها قامت هذا العام بتشديد الخناق واعتماد خمسين ألف ريال خلال شهر كامل، وهو ما يجعلنا عاجزين عن تلبية أبسط متطلباتنا من إيجارات مساكن أو رسوم مدارس”.
فقدان الثقة
ولا يبدو أن المودعين في البنوك الأهلية أفضل حالاً من نظرائهم لدى البنوك الحكومية، ووفقاً لمتعاملين لـ”يمن سايت”، فإن غالبية البنوك، بما فيها المصارف الصغيرة، أقرت سقوفاً تصل إلى ثلاثمائة ألف ريال يمني أو 500 دولار للمودعين في السحب الشهري.
أرجع مصدر مصرفي في أحد البنوك الأهلية بصنعاء، القيود إلى الشحة الحاصلة في السيولة النقدية، والتي تفاقمت جراء وجود عملتين نقديتين شمالاً وجنوباً.
وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، في حديث لـ”يمن سايت”، إن “الصعوبة تكمن أيضاً في أن فوائد هذه الودائع، وخصوصاً تلك الموجودة منذ ما قبل العام 2015، تُقيّد دفترياً في حسابات البنوك التي عملت على استثمارها في أذون الخزانة لدى البنك المركزي الذي يقيدها هو الآخر دفترياً، ويرفض تسليمها على شكل سيولة نقدية”.
وأشار المصدر، إلى أن البنك المركزي في صنعاء، يرفض السماح للبنوك التجارية باستخدام الأرصدة النقدية المتراكمة قبل عام 2017، في حين بات البنك المركزي في عدن، يسمح بالسحب النقدي فقط على الرصيد الصافي للودائع المودعة منذ منتصف سبتمبر 2016، وهو تاريخ نقل إدارة البنك من صنعاء إلى عدن بقرار جمهوري للرئيس السابق عبد ربه منصور هادي.
أدت هذه الإجراءات المتبعة إلى فقدان التجار والعملاء ثقتهم في البنوك الحكومية والأهلية على السواء، وفتح قنوات تعامل مع شبكات وشركات صرافة محلية غالبية حديثة العهد وتعود ملكيتها لشخصيات نافذة في صنعاء وعدن.
ولم يتسنَّ الحصول على تعليق من قيادة البنك المركزي في صنعاء غير المعترف به دولياً، حول أسباب تلك القيود، كما لا يُعرف حجم الودائع الخاصة بالبنوك التي تتواجد منذ ما قبل الحرب.
ولم يصدر بنك صنعاء أي تحديثات للعرض النقدي منذ سنوات، وكانت آخر إحصائية لوزارة المالية في حكومة صنعاء غير المعترف بها دولياً، في 2018، أشارت إلى نمو العرض النقدي بمعدل 19.8%، جراء نمو النقد بحوالي 35% (النقد في التداول 36.5%، والودائع تحت الطلب بحوالي 29.6%).
في المقابل، كشف البنك المركزي الخاضع للحكومة المعترف بها دولياً في عدن، في أحدث إحصائية له، أن ودائع البنوك التجارية والإسلامية لديه بلغت 190.8 مليار ريال بنهاية ديسمبر الماضي، فيما بلغ إجمالي الودائع لدى البنوك، 3660.3 مليار ريال خلال الفترة ذاتها، وذلك بزيادة قدرها 144.3 مليار ريال عن ديسمبر 2020.
وأرجع بنك عدن، الارتفاع في إجمالي الودائع، إلى ارتفاع كل من الودائع تحت الطلب بنسبة 7%، وودائع الادخار بنسبة 3.9%، والودائع بالعملات الأجنبية بنسبة 3.7%، وودائع الآجل بنسبة 2.4%، في حين انخفضت الودائع المخصصة بنسبة 4.1%.