ذات مجد.. أقصد عندما كان “عرب الشمال” يعملون مرتزقة مع الروم ضد الفرس أو العكس.. كانت “اليمن” تستأجر مرتزقة من العرب والفرس، وخبراء من اليونان والروم.. لخدمة مشاريعها الخاصة.
على الأقل قام الملك”سيف بن ذي يزن” باستئجار بعض الفرس لتحرير بلاده من النظام الموالي للأحباش، ومن قبله قام “أبرهة الأشرم” باستئجار بعض الأعراب. أشهرهم “أبو رغال” عند غزوه لمكة.
هكذا تقول الروايات، لكن حتى لو كانت هذه الروايات أساطير خالصة، فهي تعبر بطريقتها الرمزية عن حقائق تاريخية موازية لمرحلة كانت فيها اليمن تقوم باستئجار مرتزقة أجانب من أجل مصالحها.
المهم هنا هو ما حدث لاحقاً. وقلب هذا الواقع التاريخي رأساً على عقب: اليمنيون الذين كانوا يستقطبون المرتزقة العرب والأجانب. أصبحوا مادةً للاستقطاب من قبل العرب والأجانب، كمرتزقة وماجورين.
الارتزاق ظاهرة عالمية، لكن ما يتعلق منها باليمن لا يخلو من مفارقات تاريخية وجغرافية لافتة كحالة اليمن التي لها تقليدياً أو تراثياً جغرافيتان وتاريخان: في الوطن وفي المهجر.
في المهجر: بدأ الأمر بتفرق “أيادي سبأ” أبرزها المناذرة والغساسنة. هؤلاء اليمنيون الأقحاح حكموا في العراق والشام قبل الإسلام، وانخرطوا في صراع الفرس والروم. كأتباع، وكانوا يحشدون العرب وراءهم كمرتزقة في هذا الصراع.
لاحقاً دخل اليمنيون أفواجاً في الإسلام. بمشاريع وطموحات قومية مشروعة. لكن عدداً من الحوادث. على رأسها حادثة “سقيفة بني ساعدة”. وضعت حداً صارماً لها منذ البدء وفي كل مرة.
نتيجةً لذلك “تفرقت أيادي سبأ” مجدداً. لكنها هذه المرة لم تتجمع هنا وهناك كممالك وملوك ظل. بقدر ما تشرذمت كأتباع ومرتزقة. خلف زعماء الفصائل المتناحرة على امتداد الامبراطورية الإسلامية.
حضرت بقوة خلف علي وخلف معاوية. خلف ابن الزبير وخلف الحجاج. خلف الحسين وخلف يزيد.. وفي كل معركة كان اليمني يقاتل اليمني في الجهة الأخرى بعدمية خالصة.
في الوطن: بعد الإسلام، ورغم وجود استثناءات مدهشة، قامت واستمرت كثير من الدول اليمنية المتتابعة على أساس علاقات خارجية لا تخلو من التبعية لقوى إقليمية نافذة، بدرجات متفاوتة من الوضوح والمباشرة.
بدون دافع نبيل وقضية سامية، ومشروع طموح.. يصبح الحاكم أو القائد أو المقاتل مرتزقاً، وهو ما تمثل غالباً في حالة اليمنيين في الداخل أيضاً طوال هذا التاريخ، وصولاً إلى مطلع القرن العشرين.
حينها زار الكاتب والرحالة الكبير “أمين الريحاني” اليمن. ومن أولى الوثائق التي أوردها في كتابه “ملوك العرب” كشفاً بالمبالغ الشهرية الهزيلة التي كان يستلمها أمراء السلطنات الجنوبية من بريطانيا. مقابل الولاء وكف الأذى وخدمات سياسية وعسكرية محدودة.
في الشمال. كان الإمام يحيى حينها يدعو اليمنيين للقتال مرتزقة مع الله مقابل الجنة والحور العين. كنوع قديم شائع من التغرير والاحتيال على حقوق المجاهدين في سبيل العروش.
الارتزاق الصريح أكثر شرفاً -إن كان في العملية شرف- من الارتزاق تحت لافتات دينية أو قومية أو وطنية أو إيديولوجية.. زائفة، وعلى هذا الأساس أماط الارتزاق اللثام عن وجهه خلال العهد الجمهوري.
رغم كون الصورة مشرقة إجمالاً، فقد أشار الجمهوري العتيد “محسن العيني” في كتابه “خمسون عاما من الرمال المتحركة” إلى طبيعة الحروب بالوكالة التي كانت تحكم الصراع الجمهوري الملكي في ستينيات القرن الماضي.
كانت مصر تدفع، والسعودية تدفع. وحسب كثيرين فقد كان الاقتصاد اليمني برمته حينها. كما هو الآن “اقتصاد ارتزاق”. قائماً على ما تدفعه القوى الدولية لمقاتليها وعملائها المحليين.
“الحروب بالوكالة” هي الصورة الأكثر عمومية ورسمية للتبعية والعمالة، بالشكل الذي استهلك معظم تاريخ اليمن المعاصر، وبالذات خلال الحرب الباردة التي لم تكن لليمن فيها ناقة ولا جمل.
في غضونها ظهرت “اللجنة الخاصة” الشهيرة كحالة أكثر بجاحة وانكشافاً من التبعية والارتهان لتقود الشمال، ثم اليمن الموحد، وما تزال حاضرة وفاعلة بقوة خلف كواليس المشهد الراهن.
أياً كان الامر، في مقابل كل هذا التاريخ المثقل بأشكال ودرجات الارتزاق.. ما يحدث اليوم ومنذ سنوات تجربة مختلفة للغاية من حيث الكم والكيف والتنوع والتداعيات..
بدلاً من النوافذ والمداخل الخلفية انفتح باب الارتزاق على مصراعيه.. وبدلاً من السوق السوداء تم فتح الأسواق والشوارع العامة لهذه التجارة التي أصبحت رسمية شرعية طبيعية.!
تم تطبيع الارتزاق بحيث أصبح ليس فقط مجرد رأي، بل ربما واجبا دينيا أو وطنيا.. ومادة للفخر. بدرجة تتناسب طرداً مع درجة الامتهان والرخص والشعور بالضياع.. وتفتت وتلاشي المشروع الوطني.
لكلٍّ من إيران والسعودية والإمارات وقطر وتركيا.. فضلاً عن أمريكا وبريطانيا وروسيا.. وربما لعمان وحتى الصومال وموزمبيق.. عملاء وأتباع ومرتزقة وجواسيس.. سياسيون وعسكريون وإعلاميون.. يمنيون في اليمن.!
ما يجعل هذا الواقع المرير أكثر مرارة هو استحضار نفخة كاذبة من “التاريخ المجيد”. ضمن خليط فنتازي من النرجسية والعبودية المختارة التي لا يتجاوز أفقها حد مناقشة قضية “السيادة”. بقدر الجدل المبتذل بالمفاضلة بين السادة.!