أمام قسم العناية الفائقة في المستشفى السويدي وسط مدينة تعز (256 كم جنوب صنعاء)، تجلس كريمة علي الحبشي (٣٠ عاماً)، منتظرة خروج طفلها ذي التسعة أشهر، بعد أن أمضى عشرة أيام في غرفة العناية الفائقة، يتعالج من سوء التغذية الناجم عن زيادة كمية الماء المضاف إلى الحليب المجفف الذي تقدمه له والدته.
لا تبدو كريمة أماً سيئة لتغش طفلها، وتتسبب له بهذا الضمور الذي كاد يودي بحياته، لكنها الظروف الاقتصادية أجبرتها، كما أجبرت يمنيات كثيرات، على زيادة الماء في الحليب المجفف، ما تسبب في مفاقمة مرض سوء التغذية الحاد الذي يعاني منه حوالي 2.2 مليون طفل يمني دون الخامسة، بمن فيهم أكثر من نصف مليون يصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة، حسب منظمة يونيسف.
بخلاف التصريحات التي ظلت على مدى 8 سنوات، تتباكى على معاناة المدنيين في اليمن، لم يعمل المجتمع الدولي والأمم المتحدة على معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الإنسانية المتفاقمة، أو الحد منها؛ حسبما يؤشر هذا التحقيق الذي يبرهن على وجود ارتباط ما بين ارتفاع الأسعار وانتشار سوء التغذية بين الأطفال والأمهات.
غش مركب
على مدى عقود ظل اليمن يعاني من الفقر وسوء التغذية والنزاعات، لكنه لم يكن ليصل إلى وضع “أسوأ وأكبر أزمة إنسانية في العالم”، لو لم تغش الأحزاب اليمنية ثورة 11 فبراير 2011 السلمية، و تعمل بمساهمة من الأمم المتحدة والحكومات المانحة، على تمرير ما يسمى انقلاب 21 سبتمبر 2014، الذي أشرع بدوره الأبواب للتدخل الخارجي.
تشير تقارير الأفرقة الأممية التابعة لكل من مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، إلى مراوحة ما تسمى حرب اليمن، وتبادل مواقع وغموض يكتنف أطرافها المتهمة بممارسة حرب تجويع وتقطيع أوصال المدن ونهب ممنهج للموارد، ما أدى إلى انكماش الاقتصاد اليمني وانهيار قيمة الريال وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 150%، وتوقف رواتب مليون موظف حكومي يشكلون مع عائلاتهم ربع السكان، حسبما تفيد تلك التقارير.
يُعد “السويدي” المشفى الوحيد المختص برعاية الأمومة والطفولة صحياً وغذائياً، في تعز؛ كبرى المحافظات اليمنية في عدد السكان؛ والتي تتعرض لحصار من ثلاث جهات تفرضه منذ عام 2015 القوات التابعة لسلطات الانقلاب، ما أدى إلى ارتفاع أجور النقل، ومضاعفة معاناة السكان المدنيين، خصوصاً الأطفال والنساء.
من إجمالي 180 طفلاً وصلوا إلى المستشفى السويدي، في يناير الماضي، للعلاج من سوء التغذية الحاد، مات طفل واحد؛ فيما بلغ عدد النساء اللاتي عولجن خلال الشهر نفسه، 355 امرأة، بينهن 123 امرأة مرضعة، حسب إحصائية صادرة عن المشفى، حصل عليها معد هذا التقرير.
ولا يُعرف عدد الأطفال الذين ماتوا بسبب سوء التغذية في بقية المشافي وخارجها، إلا أن اليونيسف تقول إن طفلاً واحداً يموت كل عشر دقائق في اليمن، ما يعادل 144 طفلاً في اليوم، و52.560 في السنة. لكن تقارير موثقة تشكك في دقة بيانات وكالات الأمم المتحدة المتهمة شعبياً وإعلامياً بالمبالغة والتهويل بهدف استدرار عطف المانحين.

تقول خلود الأصبحي، وهي واحدة من الأمهات اللاتي عمدن إلى غش أطفالهن: “كنت أشتري الحليب لطفلي بشكل منتظم، ومع ارتفاع الأسعار، لجأت إلى بدائل كزيادة الماء ليبقى الحليب متوفراً لفترة طويلة”، وتشير إلى أنها لم تدرك مساوئ فعلها هذا إلا عندما أخبرها الطبيب أن الجفاف الذي يعاني منه طفلها، سببه سوء التغذية.
في 2021 هبطت قيمة الريال اليمني في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً، إلى حوالي 1700 ريال للدولار الأمريكي الواحد، ما أدى إلى تصاعد أسعار السلع والخدمات، وارتفاع نسبة الأطفال المصابين بسوء التغذية، فخلال شهر واحد وصل عدد الأطفال الذين تلقوا علاجاً لسوء التغذية في المستشفى السويدي، إلى 223 طفلاً.
لغرض إعداد هذا التقرير، رصد معده أسعار علب حليب الأطفال في عينة من صيدليات مدينة تعز، ووجد التالي: “بيبيلاك”، 6000 ريال، “فرنس ليه”، ما بين 6000 و8000 ريال، “نوفالاك” 6500 ريال، “ريجلاك” 5500-7000 ريال. تستهلك كل علبة من أنواع الحليب المذكورة لمدة 4-6 أيام فقط، أما حليب الخُدج خفيفي الوزن مثل حليب “بروميوم”، و”كونفرت “، فتراوحت أسعارها ما بين 8000 و9000 ريال يمني (8 دولارات أمريكية).
ويؤكد أخصائي الأطفال ورئيس قسم التأهيل الغذائي في المستشفى السويدي، الدكتور عبدالقوي درهم المخلافي، لـ”يمن سايت”، وجود علاقة بين ارتفاع أسعار حليب الأطفال وسوء التغذية، ويقول: “يفترض أن يعطى للطفل في عمر أقل من ستة أشهر، علبة حليب لمدة أربعة أيام، ولعدم قدرة الأمهات على الشراء يضطررن لزيادة الماء، واستخدامها لأسبوعين، مما يؤدي إلى سوء تغذية الطفل، ويجعله عرضة للأمراض”.
تدليس أممي
على مدى سنوات مضت، تصدرت صور الأمهات اليمنيات وأطفالهن المصابين بسوء التغذية، شاشات التلفزة ومنصات المنظمات الإغاثية؛ لكن ذلك التعاطف شابه التدليس.
في 2017 مثلاً، نددت عشرات المنظمات الأممية والدولية بالقيود التي يفرضها التحالف العربي على المنافذ البحرية والجوية والبرية لليمن، ما تسبب في مجاعة، حسب قولها.
لكن ذلك العام والأعوام التي تلته شهدت ارتفاعاً في الواردات، حسبما تظهر بيانات مؤسسة موانئ البحر الأحمر الواقعة تحت سيطرة سلطة الانقلاب. فالسلع ظلت متوفرة في الأسواق، أما مشكلة الجوع فترجع أساساً إلى فقدان غالبية اليمنيين مصادر دخلهم، حسب ما خلص إليه تقرير للبنك الدولي.
تقول الاصبحي إنها تحتاج إلى ما بين 7 و9 آلاف ريال، لتتمكن من إرضاع طفلها حليباً صناعياً لمدة أسبوعين، من دون خفض كمية البودرة وزيادة الماء. وبالنظر إلى سلم الأجور للوظائف الحكومية في اليمن، والذي يبلغ متوسطه الشهري حوالي 35 ألف ريال، تحتاج الأصبحي وزوجها إلى إنفاق 18 ألف ريال على حليب طفلها، ما يعادل 51% من قيمة الراتب، وهو ما لا تقدر عليه أسرة الأصبحي.
أما في صنعاء والمناطق الواقعة تحت سلطة الانقلاب التي تدفع للموظف الحكومي راتبين في السنة، فإن الوضع يزداد سوءاً.
وتتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع عدد اليمنيين الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي من 17.4 مليون شخص حالياً إلى 19 مليوناً بحلول شهر ديسمبر المقبل؛ بيد أن لا الأمم المتحدة ولا الفاعلين الدوليين والإقليميين أظهروا جدية لمعالجة هذه الأوضاع المعيشية المأساوية.
ينص اتفاق ستوكهولم، الذي اتفقت عليه الأطراف اليمنية في ديسمبر 2018، برعاية الأمم المتحدة، على “تنفيذ أحكام هذا الاتفاق تنفيذاً كاملاً، والعمل على إزالة أي عوائق تحول دون تنفيذه”.
إلا أن الأمم المتحدة والقوى الدولية الراعية للاتفاق دعمت تنفيذ الجوانب المتعلقة بتعزيز قدرات أطراف الحرب، وغضت الطرف عن الجوانب الإنسانية كحصار تعز وصرف مرتبات الموظفين من عائدات موانئ الحديدة التي سلمها المبعوث الأممي حينها، مارتن غريفيثس، لقوات خفر السواحل، وهي واحدة من القوى التي تولت واشنطن وحكومات أوروبية تمويلها وتدريبها في إطار الحرب الدولية ضد الإرهاب.
على خطى غريفيثس سار المبعوث الأممي الحالي، هانس غروندبرغ، لتمكين المليشيات الحزبية، والتغاضي عن معاناة المدنيين.
في 2 أبريل الماضي، أعلن غروندبرغ عن اتفاق هدنة بين الأطراف اليمنية، مدتها شهران، تضمنت، إلى جانب وقف إطلاق النار، فتح الطرق ومطار صنعاء، ودخول 18 سفينة من المشتقات النفطية إلى ميناء الحديدة .وفي مايو الماضي، قال غروندبرغ “إنَّ التصدي لتدهور الاقتصاد اليمني سيكون محوراً مركزياً لرفع المعاناة المزمنة التي يرزح تحتها المدنيون اليمنيون”.
إلا أن تنفيذ بنود الهدنة اقتصر على الجوانب المتعلقة بتعزيز قدرات سلطة الانقلاب، مثل فتح مطار صنعاء لبعض قياداتها التي غادرت البلد تحت غطاء المرض والانشقاق، وتعزيز مواردها بعائدات السفن النفطية، بينما أهمل تنفيذ الشق الإنساني، مثل فتح المعابر وصرف الرواتب.
وفي 2 أغسطس الجاري، تفاخر غروندبرغ مجدداً بتوافق الأطراف اليمنية على تمديد الهدنة لمدة شهرين إضافيين. لكنه وبدلاً من أن يتذكر وعوده ووعود سلفه، ذهب إلى ما يشبه السخرية من معاناة اليمنيين، بقوله إن صرف الرواتب يحتاج إلى اتفاق هدنة موسع.
هكذا تبدو معادلة الغش غاشمة وقاتلة، فمقابل غش يمنيات لأطفالهن بالحليب، وهو غش مبرر، يبدو غش الأحزاب اليمنية والمجتمع الدولي لفقراء اليمن، وصمة عار لن تُمحي أبداً.
يشدد الأطباء الاختصاصيون على أهمية الرضاعة الطبيعية، لكن الأمهات الفقيرات لم يعدن بكامل عافيتهن، فحوالي 1.3 مليون امرأة حامل أو أم مرضعة يعانين من سوء التغذية الحاد، حسب مكتب يونيسف في اليمن.
وإزاء هذه المعضلة المزدوجة، والمتمثلة بسوء تغذية الأمهات وأطفالهن، ينصح المخلافي الأمهات باتخاذ بعض التدابير، مثل هرس حبوب الذرة والدخن والشعير لأطفالهن، وتناولهن السوائل والطحينية والجرجير والحلبة، الأمر الذي يمكن أن يساعدهن على إدرار الحليب.