أثار فوز المتحول الجنسي ريكي كولي (22 عاماً)، بلقب ملكة جمال هولندا لعام 2023، جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه المرة الأولى التي يصبح فيها متحول ملكة جمال هولندا ومُمثلها في مسابقة ملكة جمال العالم، لكن هولنديين كثراً رأوا أن “الوصيفة الثانية” كانت أجدر باللقب من ريكي كولي، الذي سبق له أن وصل إلى نهائي مسابقة أفضل عارضة أزياء لعام 2018، في هولندا.
والمتتبع لخط سير مسابقات ملكات الجمال العالم في الأعوام الأخيرة، سيجد أنه في عام 2121، حصد لقب ملكة جمال نيفادا في الولايات المتحدة الأمريكية، الذكر البيولوجي كاتالونا إنريكيز، وهو أول ذكر متحول في تاريخ المسابقة يحصل على لقب ملكة جمال نيفادا بالولايات المتحدة الأمريكية، بعد تغلبه على 21 متنافسة على اللقب.
وفي عام 2018 تمكن المتحول الإسباني أنجيلا بونس (27 عاماً)، من التنافس مع 94 فتاة على لقب ملكة جمال العالم، وعُدَّ بونس أول متسابق، من المتحولين جنسيّاً على لقب ملكة جمال العالم.
في مقاله “حرب الجندر: ملكة جمال هولندا عابرة، والثورة المناهضة للمسيحية مستمرة”، المنشور يوم 11 يوليو الحالي، على منصة “ذا ديلي كومبوس” الكاثوليكية، يشكك الكاتب روبرتو مارشيسيني في كفاءة معايير تتويج ريكي كولي ملكة جمال هولندا، قائلاً: “لا جمالها ولا موهبتها في الواقع هي من جلبت لكولي التاج المنشود”. يرى مارشيسيني أن فوز كولي يندرج في إطار الحرب التي تخاض ضد الديانة المسيحية.
من بدأ المشكلة؟
في سياق بحثها عن موقعها الندي للرجل، دافعت النسويات عن ضرورة عدم تميز الأُنثى على أساس بيولوجي، والذي يحرمها بطبيعة الحال من امتلاك أدوار اجتماعية أعلى من تلك التي تتصل ببيولوجيتها كزوجة وأم، فأوجدت الفرق بين الجنس، والجندر، حيث يتصل الأخير بالأدوار الاجتماعية الفاعلة في المجتمع، والمنطلقة من أساس جندري معني بتحديد هوية جندرية قائمة على وعي الشخص وتعريفه لنفسه بمعزل عن جنسه الذي ولد به.
وعلى هذا الأساس يمكن أن نعزو فوز الذكور المتحولين في مسابقات ملكات الجمال، برغم افتقارهم للجمال كقيمة أساسيَّة، إلى تحريض النسويَّة على تعريف المرأة وفقاً لصفاتها البيولوجية (الجنس)، والإصرار المحموم على تحوير تعريف المرأة وفقاً للهويَّة الجندريَّة؛ الأمر الذي نتج عنه هيمنة الذكورية المتحولة على كل ما يمكن أن يُعرَّف أو يخص المرأة ويحدد هويتها على أساس بيولوجي.
ومن أجل التفريق بين الجنس البيولوجي، والجندر، ناضلت النسويات لإثبات أن الحقائق التشريحية التي منعت المرأة من تحقيق تساوٍ كمي مع الرجل في سوق العمل، لا يتصل ببيولوجيتها الأصيلة، أو اختلافاتها الهرمونية، بل هو نتيجة للمنطلقات الاجتماعية الثقافية التمييزية التي مُورست تجاهها، وبالتالي يُمكن معالجة هذه الإشكاليات الاجتماعية بل تغييرها جذريّاً، وهو ما دفع عالمة الإنثربولوجيا الثقافية جايل روبن إلى استخدام النوع الاجتماعي؛ لإحداث ترتيبات محددة يتم من خلالها خلق نظام خام لإعادة تشكيل الجنس البشري عبر التدخل البشري، والاجتماعي على حد سواء.
إن إحداث خلل جوهري، في الصفات التمييزية للمرأة، عن الرجل، أعطى للرجل المتحول، وللمرأة المتحولة أيضاً استحقاقية تمثيل الآخر في ذاته وكينونته، وفي هويته الخارجيَّة التي تعبر عنه. يكفي أن تقص المرأة شعرها وترتدي قميصاً وبنطالاً، لتصبح مكتملة الرجولة، ومن ثم عابرة تتشكل تدريجياً بالتدخلات الجراحية والهرمونية، والأمر ذاته ينطبق على الرجل المتحول الذي ما إن يرتدي ثوباً، وينتعل حذاء بكعب، يصبح امرأة. وفي غالب الأحوال يُمكن تمييز المتحول بسهولة، فالصفات الظاهرية لا تُلتبس منذ الوهلة الأولى.
سطوة المتحولين
مؤخراً، بدا التحيز للمرأة بكيفيتها البيولوجية، يُسجل حضوراً مناهضاً للمرأة المتحولة، بعد أن تمكنت الأخيرة من السطو على ما يمكن أن نسميه حقوق الانتماء لجنسها، وهو ما فصّله روبرتو بمعاناة المرأة الرياضية مثلاً أمام الرياضيين المتحولين جنسياً، في مختلف الرياضات، كركوب الدراجات، والسباحة، بل إنه تحت ذريعة التحول إلى امرأة يمكن “للرياضيين المتحولين جنسيّاً ضرب النساء وحتى كسر عظامهن”.
والمفارقة أننا لم نرَ المرأة المتحولة إلى رجل تقاتل الرجل البيولوجي في لعبة ملاكمة حقيقية، والعكس صحيح، حيث فاز المتحولون من الذكور في الرياضات النسائية لاستحقاقات بيولوجية أهلتهم لذلك، وهو ما ينسف فعليّاً، التفريق بين الجنس (بيولوجيّاً)، والجندر (الهوية الجندريَّة).
يبدو أننا أمام تحول جديد في حقوق المرأة، فبعد أن كانت النسويَّة تسعى إلى إثبات حقوق المرأة المساوية للرجل في مجالات تخصص بها الرجل، ستبدأ النساء مشقة أخرى لنيل حقوق أصيلة امتلكتها ولم ينازعها فيها الرجل، أبسطها الحمامات الخاصَّة، والتي هي اليوم أولويَّة للمتحولين من الذكور.
ويمكن القول: إن النساء قبلن على مضض، هذا التواجد الفاضح للرجال المتحولين في ما يمكن أن نسميه مساحتهن الخاصة، لكن أن يتواجد الرجل المتحول في مسابقات ملكات الجمال، هو ما أثار تساؤلاً عن ماهيَّة الجمال كقيمة ممكن أن تُطلق على الذكر المتحول، هل يمكن للنسوية الإجابة على هذا السؤال؟ أو بالأحرى أن تطالب بخصوصيَّة المرأة وحقها أمام الرجل المتحول الذي ادعى أنه هي؟
عندما تعلق الأمر بحق الرجل المتحول، بأن يكون امرأة، أخذ مكانها في كل شيء بعيداً عن أية منطقية أو بديهيَّة مقبولة، وهو ما فضحته ازدواجية المعايير في مسابقات ملكات الجمال، التي كشفت عن حصد الرجال المتحولين للألقاب، رغم عدم امتلاكهم معايير جمالية تنافسية تمكنهم من منافسة النساء المشاركات والمختارات بعناية لتمثيل بلدانهم، فلماذا إذن يُمثل رجل متحول، وليس فتاة، بلاده في مسابقة ملكة جمال، وهو قبيح، إذا ما قورن بالجميلات، وفق التوصيف البيولوجي الدقيق الذي تُقيَّم بها المُتسابقات؟
كل هذا الإصرار على تمثيل المتحولين الذكور للمرأة، يدفعنا للتساؤل حول الأسباب التي تدفع الرجل ليتحول إلى امرأة، إذا كانت هذه المرأة، وفق المرويات الثقافية التأثيمية، دائماً ما كانت منتقصة الحقوق، ولا تمتلك المميزات التي يمتلكها الرجل؟ ولماذا قبلت النسويات احتلال المتحولين، من خلال أطروحاتهن، لحقوق المرأة في كونها امرأة كما عرفتها الثقافة غير المتحيزة ضدها؟ كيف يمكن فهم المتحولين الذين يحاولون أن يكونوا نساء بيولوجيات، في حين ترفض النسوية تعريف المرأة من منطلق بيولوجي بحت؟
حقيقة إن الإجابة على هذه التساؤلات تعني إعادة النظر في ما يمكن أن يتصل بالأطروحات النسويَّة المُتصلة بالجندر، والتي مثلت ثغرات مقصودة مُررت عبرها أفكار مكنت المتحولين من هتك حقوق المرأة التي امتلكتها بداهة.
في كتابها “قلق الجندر، النسوية وتخريب الهويَّة“، ناقشت جوديت بتلر، الفرضيات الأساسية التي تنطلق منها النسويات للتفريق بين الجنس والجندر.
عند تتبعها للإشكالية بين الجنس والجندر، وجدت بتلر أن الجندر بمفهومه النسوي، يمكن أن يكون وسيلة لتأمين الجنسية الغيرية. وهو ما تحقق اليوم بتراجع حقوق المرأة، أمام حقوق المتحولين بأن يكونوا نساء. وهو ما يعني أن قضية المرأة العادلة آخذة في الانزياح لتحل محلها قضية أقليَّة أُخرى، وهي قضية المتحولين.
يقول روبرتو: “إذا كان على الذكور مشاركة عالمهم مع الإناث، فيجب على الإناث إفساح المجال للأشخاص المتحولين جنسيّاً. هذه هي الطريقة التي يعمل بها التصحيح السياسي: هناك دائماً أقلية أكثر من أقلية لديك. فبينما يسدل الستار على النسوية، يزاح على التحول الجنسي”.
وأمام الصمت المطبق للنسويات، تحاول النساء المعزولات عن الفكر الجندري، الدفاع عن أنفسهن أمام احتلال المتحولين لمكانتهن ومساحتهن الخاصة. فيما الحركات النسوية التي بدأت نضالها مناهضة للكائن المنطقي من بداية التكون، وتسعى باجتهاد لمحو الفروقات بين الجنسين، مفتونة في ذلك بـ”السايبروغ”، الكائن الممزوج من الإنسان والآلة، والذي يُمثل “الصورة المكثفة عن التخييل والعالم المادي معاً” حسبما ترى دونا هاراوي.