أقطن في تقاطع الرباط وشارع 16، بالقرب من شارع هائل بصنعاء، منذ منتصف أكتوبر/تشرين الثاني 2019. وكل يومٍ أكتشف شيئاً من مبذولات هذا الشارع وعجائبه التي لا تنتهي. فالشارع الذي نشأ كسوق ثانوي على تخوم شارع هائل التجاري الشهير، ويعرف بشارع 16، صار مقصداً معروفاً للمتسوقين من محيطه وخارجه، بما يوفره من خدمات وتموين سلعي واستهلاكي “خضر وفواكه وبهارات ومواد غذائية ومطاحن حبوب ومحلات لحوم وأسماك”، وبه أهم تجمع لصالات الأعراس والمناسبات، ومجموعة من المدارس الخاصة في جنباته.
هو أقل زحمة من شارع هائل المكتظ على الدوام، بسبب تداخل محلات وعربات الملابس والأحذية التي تحتل ثلثي الشارع من الجهتين، ولا تترك غير ممرٍّ ضيق للسيارات التي عادة ما تشكل بدخولها الشارع، المكسو بالفوضى الدائمة، اختناقات مرورية حادة طيلة أيام السنة، ومع مواسم الأعياد تتضاعف المشكلة إلى حدود لا يمكن وصفها، بفعل إقبال المتسوقين على المحلات التي تعرض الملابس والأحذية الشعبية الرخيصة، على عكس الأسواق التجارية والمولات التجارية الراقية، في شارعي حدة وجمال التجاريين.
وبالمقابل، تصير مثل هذه المناسبات في شارع 16 حالة لإنتاج اختناقات كبيرة، لكن مقدور على تفكيكها، بسبب ما يُتيحه الشارع من منافذ تصريف للسيارات باتجاه الشوارع الفرعية المعبدة في الحواري الداخلية. غير أن زحمة هذا العيد بدت لديَّ ذات طابع مختلف لمشاهدتي لها للمرة الأولى، إذ تتكدس عشرات السيارات، ويتزاحم مئات المتسوقين في الشارع من أجل شيء واحد، وهو شراء أضاحي العيد من محلات الجزارة المنتشرة في الشارع.
فكل محلات الجزارة في الشارع -رصدت منها 32 محلاً تبدأ من تقاطع شارع الرباط، وتنتهي عند مدخل شارع هائل من جهة القبة الخضراء، وبينهما تلك المتكاثرة في تقاطع سوق الرقاص وجولة شارع 20 – صارت تعرض أنواعاً مختلفة من المواشي المحلية والأفريقية “عجول وأثوار وتيوس وكباش” بأحجام مختلفة، موضوعة في أقفاص حديدية مفتوحة “شبوك” تقيدها وتمنعها من الحركة في الشارع، أو تُحاصر، من قبل عمال مهرة، في الممرات الخلفية للشوارع.
“الروث” ومخلفات الأعلاف الخضراء واليابسة صارت تغطي الشارع، وروائحهما تغطي الفضاء، أما أصوات المواشي من الثغاء والخوار فأصبحت تشكل، مع أبواق العربات وضجيج الدراجات النارية وأصوات الزوامل المنبعثة من ميكروفونات ومسجلات السيارات، حالة عجيبة من التلوث السمعي.
باختصار، صار شارعنا في الأسبوعين الأخيرين من يوليو/ تموز “زريبة” واحدة للمواشي، بدَّلت تماماً من طابعه العام، ومن أشكال وسحنات متسوقيه. الريفيون الذين يبيعون بعض مواشيهم أو يشترون، هم المضاف الجديد إلى السوق هذه الأيام، الذي يقصده في عادي الأيام سكان الحي من الموظفين وصغار الكسبة.
السوق بالتأكيد غير قانوني، ولا يخضع لرقابة صحة البيئة، وما يجعله قانونياً هي تلك المبالغ التي يدفعها بسخاء أصحاب محلات الجزارة في الشارع.
أسعار الأضاحي مرتفعة جداً ككل شيء في صنعاء، وليست في متناول الجميع، حتى تلك التي تستورد من دول أفريقية مثل “إثيوبيا والسودان وأرض الصومال”، لم تعد تختلف عن المنتج المحلي سوى بأشكالها، وليس بأسعارها، التي كانت في ما مضى تصنَّف بالتنافسية، حتى إن بعضها تباع على أنها منتج محلي “بلدي”، في وسائل غش تستغل غشامة المشترين، بالإضافة إلى الشبه المتقارب بين بعضها وبين المواشي المحلية.
لبائعي المواشي، من الجزارين، تبريراتهم لغلاء الأسعار، ومنها انخفاض سعر العملة المحلية، وفرض ضرائب مرتفعة، وما يدفع كإتاوات للنقاط الأمنية في الطرق بين المحافظات، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل بسبب أزمة الوقود التي تضرب مناطق سيطرة الحوثيين منذ قرابة شهرين، وهي تبريرات لا يمكن لها أن تجعل رأساً من الماشية “تيس/ كبش” الذي لا يتعدى وزنه 10 كيلوجرامات، يبلغ ثمنه قرابة 60 ألف ريال (100$)، في بلاد صار معظم سكانه، بفعل الفساد، والأزمات، والحروب، وانقطاع المرتبات، تحت خط الفقر.
قال لي شخص أعرفه من سكان الحي القدامى، إن كمية المعروض في الشارع من المواشي هذا العام، هي أقل بمرة واحدة عما كانت تعرض في السنوات السابقة، والأمر ارتبط بقلة الإنتاج، أو يتم عرضها في أسواق مخصصة لهذا الغرض في منطقة نقم.