تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في عدن صورة لوحة لمطعم قيد الافتتاح (مطعم الجنوب للمضغوط)، وقد أثارت لوحة هذا المطعم جدلاً واسعاً، وأسقطت التعليقات اللاذعة على واقع الحياة في عدن، وربطتها ضديّاً بالدلالة المكانية التي قصدها مالك المطعم، من منطلق الواقع الذي لا يشبه الحلم الذي استُزرع في العقول الشابة.
بعد معركة تحرير عدن من الحوثيين عام 2015، كان الجنوب مكاناً مشحوناً بعاطفة وانتماء مرتبطين بدلالة استدعاء الماضي الذي توقف عنده الزمن.
ليس مطعم الجنوب هو الوحيد الذي اتخذ من الجنوب اسماً له، فقبل أعوام انتشر ماء “الجنوب” في أسواق عدن، وغدا لفترة منافساً لمياه “شملان” و”حدة”، كما لم تخلُ بعض المنتجات التي تُباع في جنوب اليمن، من تسميات ذات صبغة سياسيَّة كـ”حلاوة التحالف”، وصابون “الصمرقع”، وكان يمكن أن تأخذ تسمية “مطعم الجنوب للمضغوط”، الزخم نفسه، لولا اختلاف الفترة الزمنيَّة، وتغير السياسات في عدن، واختلاف اللاعبين السياسيين فيها.
فالتسمية لمطعم الجنوب جاءت بعد أعوام من تحرير المدينة، ووقوعها في منتصف الصراع بين أعضاء المجلس الرئاسي مكون الشرعية.
تحول الناس في المدينة من المواجهة العلنية الصريحة، إلى استنطاق الوعي في حالة من السخرية والإسقاطات طالت تسمية المطعم، الذي تحوّل إلى تكثيف يعكس وقع الحياة في عدن. مبنى لا تتعدى مساحته أمتاراً توارت بين شقوقه رغبة عارمة في التعبير عن الرفض، وعدم تقبّل الواقع المثالي الذي يُراد للناس تصديقه.
ما قبل مطعم الجنوب
في اليمن، توازت السخرية مع الصراع الدائر في البلاد منذ أعوام، لا سيما بعد انقسام البلاد بين جماعة الحوثي، وعلي عبدالله صالح من جهة، وبين الشرعية ممثلة بعبد ربه منصور هادي من جهة أُخرى، وبعد تهريب هادي من قبضة الحوثيين، قال علي عبدالله صالح لقيادي حوثي متذمراً: “مش حاربي وارقدي”، كما سخر اليمنيون من مقولات شهيرة لعبدالملك الحوثي، والتي منها: تهديده للتحالف بسلاح الولاعة، وامتلاك اليمن أحجاراً كريمة ستدعم الاقتصاد حتَّى في الحصار المفروض على البلد.
وبعد تقويض سلطة الشرعية في عدن، وطرد الحكومة في 2019، أراد صالح مُثنى في بثه أن ينقل صورة مطمئنة عن عدن التي وأخيًرا أصبحت تنعم بالسلام بعد انتهاء المعركة: “عدن بخير بإذن الله، عدن تعود الحياة إليها، تعود كل الخدمات في ظل هذا الثبات والصمود والاستماتة من أجل أرضنا وعرضنا وكرامتنا”، ليفاجأ أثناء البث، بأمين العمري، الذي صادف أن كان ضمن ركاب الباص المار أمام النقطة، يقول له ساخراً: “تعرف تقول قيق وأنت وسط الماء؟”، فيرد عليه: أقول… ها… أدفنك بين التراب، ليكرر له أمين: “قول قيق قيق قيق”. وتصدر هذا الفيديو الوسم، ولاقى تفاعلاً كبيراً على وسائل التواصل الاجتماعي في اليمن، كونها كانت أول حالة رفض واضحة بعد طرد الحكومة من عدن، وأصبحت جملة “تعرف تقول قيق وأنت وسط الماء”، لازمة كلاميّة تُقال كلَّما كان حديث الشخص منمقاً ومزيَّفاً، لا سيما في ما يخص واقع الناس في اليمن.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي حوار أُجري في الشارع، قال أحد المارة عن أطراف المعركة في عدن:
– خرّجناهم… خرجناهم.
فسأله الطرف الآخر: من؟
فكرر الرجل:
– خرجناهم… خرجناهم.
– من فين؟ أنت مع من؟
فأجاب الرجل:
مدري يا خي.
ولأن الأحداث السياسية في اليمن تُؤثر على فحوى أحاديث الناس، وتنعكس على مجمل أحاديثهم، فإن لافتة مطعم الجنوب للمضغوط، أحيت في أذهان الناس، ذكرى الحرب التي صاحبت الصورتين أعلاه، فأعاد الناشطون تداولها ممهورة بتعليقات لاذعة مرتبطة بالجلوس للأكل في المطعم: “تقول الدجاج حقهم تعرف تقول قيق وهي داخل الضغط… أدفنوك تحت الرز”، “لازم تكاعم باللقم عشان تقول قيق تحت المي”، “إذا اشترغت باللقمة تقول قيق تحت الماء”.
ومع استمرار الصراع بين الأطراف السياسيَّة، وطرد الحكومة في 2019، لحقت التعليقات الساخرة دست (قدر) معاشيق، وتداولها رواد وسائل التواصل الاجتماعي في اليمن على نطاق واسع، بعد نهب قصر معاشيق، وكرروا تداولها بعد عودة حكومة معين، كنوع من السخرية من الاتفاق الذي وقّعه الخصوم الذين تحاربوا في 2019، فعودة دست معاشيق، تعني عودة الحكومة، بحماية الذين تحاربوا معهم في 2019، وهو ما يُنذر بجولة صراع جديدة ستشهدها عدن، فمثَّل “دست معاشيق”، كمثل مؤقت يُنبئ بوقت الانفجار.
مطعم لضغط الجنوبيين
بدأت التعليقات التي رافقت صورة لافتة “مطعم الجنوب للمضغوط”، بحوار مُتخيل، بين النادل، والزبون، ولخص هذا الحوار مستوى تغيير الوعي الذي وصل له الشباب في فهم القضايا السياسية في بلادهم بعيداً عن السياسة الإعلامية الرسمية والحزبية وتوجهاتها المُختلفة.
“- لو سمحت فين الطلب لي ساعة؟
= قادم”، (غادم غادم) على وقع هذا التعليق الذي أُرفق بصورة للافتة المطعم، انهالت التعليقات الساخرة، التي ربطت بين فقدان الأمل بالجنوب الذي طال انتظاره، وبين تأخر وصول الطلب في المطعم الذي علَّق اللافتة ولم يفتح أبوابه.
انهيار العزيمة
بعد أعوام من معركة تحرير عدن، بقيت المدينة ترزح تحت وطأة الصراعات المستمرة، حتى بعد تشكيل المجلس الرئاسي الذي مثّل أعضاؤه الأحزاب السياسيَّة المتصارعة في مناطق سيطرة الشرعيّة، ورافق ذلك الصراع، انخفاض حاد في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، وتدهور في الخدمات، منها الكهرباء التي تنطفئ لأكثر من ثماني ساعات مقابل ساعتين إلى ساعة من التشغيل في عدن التي ترزح تحت وطأة الظلام، والحر والرطوبة.
وبعد الكلمة التي ألقاها عيدروس الزبيدي، والتي تحدث فيها عن الخدمات في عدن، وطالب الشارع بعدم الانهزام: “العزيمة يجب أن تكون مضاعفة، لا تنهار عزيمتنا بخدمة كهرباء أو بأي خدمة أخرى”، ارتفعت وتيرة احتقان الشارع، وتحول لفظ العزيمة إلى وسيلة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، وطغى تداول الكلمة في الشارع العدني، فالعزيمة مطلوبة من مجتمع يعاني على مختلف الأصعدة، في حين يتعامل الساسة في عدن مع احتياجات الناس بخطابات ثورية، لم تعُد تهم الناس؛ لأنها لم تعد تُلامس واقعهم.
وُظّف لفظ عزيمة في التعليقات التي طالت مطعم الجنوب للمضغوط، وربطت التعليقات بينها وبين حال الكهرباء في عدن: “كل المطاعم شغالة بالكهرباء إلا المطعم ده شغال بالعزيمة”. “جيب معك قليل عزيمة علشان لو طفت الكهرباء عندهم”، فيما تنمذجت العزيمة في بعض التعليقات لتصبح تعبيراً عن اسم وجبة مميزة في المطعم: “مرة واحد راح عندهم قال لهم جيبوا أحسن وجبة عندكم، جابوا له عزيمة”.
وعن نوع البهارات التي يُطبخ فيها اللحم، فحتماً ستُضاف العزيمة: “البهارات كلها عزيمة وإصرار”، أما عن تذمر الزبائن عند تأخر الطلب، فجواب المُباشر (النادل) البديهي: “شوية صبر وعزيمة والطلب قادم”، وعن الوجبات التي يقدمها المطعم فالزبائن يطلبون غالباً “مكان رز مع وصلتين عزيمة”، “عزيمة المضغوط”، والتحلية المفضلة لزبائن المطعم “العزيمة بالقشطة”.
لم تتوقف تعليقات الناس الساخرة والمُذيلة بـ”العزيمة”، عند دلالة الكلمة الحرفية، ولكن توسَّعت لتشمل الصور الرمزيَّة، وتعبيرات الإيموجي الضاحكة، وهو ما يُعمّق من مضمون الرسالة المُبطَّنة التي يرغب الناس في إيصالها إلى أصحاب القرار في عدن، والتعبير عن معاناتهم.
دولتان في مطعم
كان لقضية الانفصال، وتقسيم اليمن إلى جنوب وشمال، حضور لافت في التعليقات التي طالت مطعم الجنوب؛ وذلك منوط بالتوجه السياسي والمُعلن لأنصار انفصال الجنوب عن الشمال، وقيام دولة الجنوب العربي، فارتفع المطعم في التعليقات إلى مستوى أعلى وأوسع من المكان بطابعه الطوبوغرافي الضيّق، وتوسعت أبعاده ليتحول إلى “بُعد زمكاني”، فقُسم المطعم إلى جنوب وشمال، حتّى إن وجبات المطعم تنزل بشكل منفصل “لما تروح أنت وأصحابك تتغدوا ينزلوا الرز بشكل منفصل”.
أما عن توزيع الطاولات في المطعم فقد علّق أحدهم: “الطاولات اللي على الشمال محد ينزل لهم حاجة”، فيما قال آخر: “داخل المطعم في برميل يقسم الطاولات شمال وجنوب وممنوع أصحاب الشمال يدخلوا الطاولات الجنوبية”، فيما تساءل أحد المعلقين ساخراً” “المطعم فيبه طاولات ولا نجلس على براميل!”، ملمحاً إلى براميل الشريجة التي كانت تفصل جنوب اليمن عن شماله قبل الوحدة.
وعن بيع الوجبات التي تشتهر بها المناطق الشمالية في اليمن، فهي ممنوعة في المطعم: “تقول يبيعوا سلتة وفحسة والا ممنوع؟”، “تطلب فحسة يقولك جيب بطاقتوك”، حتَّى إن شُبهة لفظ الوحدة ممكن أن يتسبب لصاحبه بالطرد من المطعم: “لو تقول لهم هات وحدة كولا يطلعوك برع”.
أما ثمن الوجبات فيحددها مكان جلوس الزبون في المطعم: “يقولك اللي يأكل بالطاولات الشمالية يحاسب بالعملة اليمنية فئة ألف ريال طبعة ما قبل 2015، والذي يأكل بالطاولات الجنوبية يحاسب بالعملة الصغير فئة ألف ريال طبعة ما بعد 2017م)، وبقدر ما يبدو هذا التعليق ساخراً، إلَّا أنه يدل على مدى مُعاناة الكثير من اليمنيين الموزعين بين شمال، وجنوب اليمن، والصعوبة التي يجدونها في التعامل مع عملة يمينة واحدة يختلف فيها تاريخ الطباعة، وهو أمر لم يحصل إلَّا في اليمن.
فيما ركّزت جملة من التعليقات على الفرز المناطقي الحاصل في عدن، حيث يستوقف الأمن الناس أحياناً، ويسألونهم عن هويتهم “تطلب الطلب ببطاقتوك”، فيما قسّم المعلقون عُروض المطعم للزبائن وفقاً لانتمائهم المناطقي، وهو الذي يحدد ما إذا كان مرحباً بهم في المطعم (الجنوب)، أو لا: “عروض المطعم: لو بطاقتوك من الضالع الخصم 100%، من يافع 50%، من عدن لا يوجد خصم ادفع بعزيمتك، من أبين طلعووه الطغم، شمالي أتحدوك تدخل المطعم”. في إيحاء مقصود أن قطاعاً عريضاً من الناس يرون أن الجنوب لم يعد يُمثل كل الجنوبيين، فأبناؤه من مناطق مُحددة، وهو ليس مُتاحاً للجميع.
حلم الدولة الجنوبية، وصدمة الواقع
بعد أن التحفت المدينة بالعلم، وشذّب القائمون على أمرها الوحدة، وقلَّموا حدودها المكانية لتبقى الوحدة في بُعدها المكاني دلالة على جغرافية تتأطر في شمال اليمن.
وبعد أن زالت فكرة الوحدة باعتبارها حجر عثرة في طريق تقدم الجنوب من أذهان الناس، لا سيما بعد أن أحكم المجلس الانتقالي قيادته للقوات الأمنيَّة في الجنوب، وجد الناس أنفسهم أمام عثرات أُخرى لا تُحل، ولا تُبرر إلَّا باعتبارها إرثاً من الماضي البغيض، وعلى الناس تقبل هذا التبرير، لاحظ الناس تبدل وجه المدينة، وتغير طبيعة التعاملات فيها، فعلى سبيل التوظيف لا بد أن تكون جنوبيّاً بمعياريَّة محددة لضمان أية وظيفة في عدن، فعلى صعيد الخبرة يجب أن تكون خبرتك تُشبه الإكليشة التي تُضاف إلى توصيف ملفات الفيس في خانة محل العمل، وهو أمر ركَّز المعلقون على ذكره في تعليقاتهم على لوحة مطعم الجنوب: “عشان تشتغل في المطعم لازم تكون معك سنتين خبرة عمل لدى جبهة تحرير الجنوب”، “ترخيص المهنة: يعمل لدى جبهة تحرير الجنوب”.
ومن الجُمل المتكررة التي يُتعامل بها في عدن لتبرير المخالفات والتجاوزات، جملة “نحن قدمنا شهداء”، والتي وُظِّفت في أكثر من تعليق؛ لتعكس التفاوت في التعامل مع المواطنين، فالذي يُمكنه تسويق هذه العبارة يحصل على استثناءات في التعامل تميزه عن غيره.
“الكاشير: حسابك كذا كذا
الزبون: بس أنا غدمت شهداء على فكرة
الكاشير: روح الله معك”.
بالإضافة إلى ذلك، ساق المعلقون عبارات التبرير التي ألفها المواطن في عدن عند اتهام المسؤولين بالفساد “هو تمام بس اللي تحته”، فقال أحد المعلقين: “لما تشتكي الأكل مش ناجح يقولوا لك هو تمام بس اللي تحته”، وهو تلميح مقصود للمبررين، وما يصطلح تسميتهم بـ”المُطبلين” في الشارع اليمني، والذي أوجزه تعليق “يُقلك يقدموا المرق بطبل مش بمطايب”.
أما في ما يخص اعتراض الزبائن على رداءة الأكل، فهي تُشبه إلى حد التطابق تذمرهم من رداءة وتدهور الخدمات في البلد، والتي واجهها الأمن بحزم مؤخراً، في المُقابل يُسمح لمُناصري المجلس بالتجمهر والتجمع للاحتجاج كأسلوب ألفه الناس في عدن: “الكاشير بساحة العروض تلاقيه”، كما نصح أحد المعلقين زوار المطعم قائلاً: “إذا غالطوك بالحساب سوي مليونية”، وإذا “الخدمة زفتة ما تعجبكش اعمل عصيان”.
في حين شُبهت الاعتراضات والانتقادات على رداءة المطعم بأنها تُسجل “على أنها إقلاق للسكينة وزعزعة الأمن”، أما عن خدمة التوصيل “معاهم خدمة توصيل بالطقم حق معسكر عشرين”، ويمكن أن تؤدي الاعتراضات والانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى زج أصحابها في السجون “إذا قلت للمباشر الأكل شمات يوديك قاعة وضاح تتغدي” (ملهى تحول إلى معتقل سري).
والتعليقات التي جاءت في السياق نفسه، عكست بشكل مُباشر التواريخ والأحداث السياسية والعسكرية التي مرَّت بها عدن طوال الأعوام الماضية، ومازالت تعاني تبعاتها إلى اليوم.
“الزبون: فين الطلب؟
المباشر: قده بنقطة العلم”، “تاريخ 7/7 يقلبوا الطاولات ويكسروا القلاصات”، وعن مُعالجة الأمن للأحداث في عدن، فإن تكرار عبارة “الأمن يضرب بيد من حديد”، استخدمها المُعلقون لتشبيه حالة الناس في عدن “لما تشتي فتة تمر مع التوصية قول له اضرب بيد من حديد”.
“الجنوب كان دولة، الآن قده مطعم!”
يرى نبيل راغب في كتابه “الأدب الساخر”، أن السخرية تهدف إلى “التعريض بشخص ما، أو مبدأ ما، أو فكرة ما، أو أي شيء، وتعريته بإلقاء الأضواء على الثغرات والسلبيَّات وأوجه القصور فيه.
مجمل التعليقات التي طالت مطعم الجنوب، لم يكن هدفها الإساءة إلى المبدأ أو النيل من حدود المكان بقيمته المعنوية، لكن هدفها كان انتقاد سوء الإدارة للملفات الخدمية، والمُحاصصة المناطقية في التعامل مع الناس.
فالسخرية كانت أكثر عمقاً ومصداقية في قراءة وتلمس واقع الناس من تلك التي يسوقها الإعلام الرسمي، وهو ما أوجزه تعليق “الجنوب كان دولة الآن قده مطعم!”.
قبل أعوام كان الجنوب كحلم منشود أقرب للمثالية، وأجمل في صورته الذهنيّة طالما لم تطأ قدمه أرض الواقع، ولكن حين تبدلت الأدوار وأبدت السنوات نوايا الأطراف السياسيَّة في اليمن، تغيرت زاويا الرؤية.
وهو ما دفع الناس ليتحدثوا ويُسقطوا كل الصور السلبية التي اعتمدها الساسة لتسويق أهدافهم، وتحميل لافتة المطعم عبء الفساد الذي غالباً ما كان من نصيب أطراف بعينهم في البلد، لم تستثنِ التعليقات الإشارة إلى كل السلبيَّات الحاصلة في عدن، حتى قضايا نهب الأراضي، نالت نصيباً من التعليقات: “صاحب المحل مؤجر ولا باسط؟”، “معاهم أوفر تشل طلب عائلي يعطوك جنبه بقعة أرض ببئر فضل مجاناً”، “يقولك اللي يزكن لحمه له بقعة أرض ركن ببير أحمد”.
في المجمل العام يمكن استقراء الرأي العام حول ما يحصل في عدن من خلال استشفاف المنظور الجمعي في وسائل التوصل الاجتماعي، لا سيما في القضايا التي لا يلتفت لها الساسة عادة، كموضوع لافتة مطعم، والمطلع سيدرك أن المُجتمع يشهد تغيراً في المزاج العام، وهو على العكس مما تحاول وسائل الإعلام تصديره، يريد أن يقول كلمته، وعلى الرغم من محاولة تنبيه المُعلقين على المنشورات والفيديوهات الساخرة التي طالت لافتة المطعم، إلَّا أن موجة التفاعل مع التسمية لم تتوقف: “أصحاب التعليقات كلنا بنلتقي داخل، دي الأيام حمى موت”، في تلميح مقصود إلى رصد المعلقين من قبل اللجان الإلكترونيَّة.
فلم يغب عن المعلقين الالتفات إلى أن خطاط اللوحة (العليمي!)، “اللي يضحك أنه الخطاط حق اللوحة العليمي”، وهو التقاء غير منطقي بين الأضداد. تقوم فكرة استقلال الجنوب في تطرفها على القطيعة بين الشمال والجنوب، وخطَّاط لوحة المطعم اسمه العليمي (شمالي)، وهو يلتقي مع اسم رشاد العليمي (رئيس المجلس الرئاسي المُشكل في عدن)، والذي ينضوي فيه أعضاء المجلس الانتقالي الذين يطالبون بالانفصال!