حتى سنوات قريبة، كان على أطفال قرية “الشعب” في مديرية سامع، محافظة تعز، قطع مسافة 5 كيلومترات سيراً على الأقدام، من أجل الوصول إلى المدرسة التي تلقى فيها آباؤهم تعليمهم، ثم قطع ذات المسافة عند العودة. الأمر الذي مثل مشقة كبيرة للأطفال، ومصدر قلق لأهاليهم، لكن ومع تأسيس مدرسة النهضة الأساسية، وسط القرية، بجهود الأهالي ومعلمات متطوعات، تقلصت المشقة والقلق إلى الصفر.
تعد مشكلة التعليم أبرز الخطايا المزمنة للحكومات اليمنية المتعاقبة، المتهمة محلياً ودولياً بالفساد وتبديد الموارد على شراء الولاءات والسلاح. فعلى الرغم من حصوله على مساعدات في مجال التعليم بلغت حوالي 800 مليون دولار أمريكيّ، إلا أن اليمن فشل في تحقيق هدف التعليم للجميع بحلول العام 2015.
ومع اندلاع الحرب الأهلية التي تشهدها البلاد على خلفية انقلاب 21 سبتمبر 2014، وانهيار مؤسسات الدولة، وجد المجتمع المحلي نفسه في وضع لا يحسد عليه، فكان أن برزت ما يمكن تسميتها الحركة التعاونية الجديدة التي بدأت تنشط، كبديل لغياب الدولة، خصوصاً في مناطق وأرياف محافظة تعز، حيث شرع الأهالي بالتصدي للمشاكل التي تواجههم، بجهود ذاتية؛ يرصفون الطرق، وينشئون السدود، ويبنون المدارس أو يعيدون ترميمها.
فضاء الجامع
تمثل التحدي الذي تصدى له أهالي قرية الشعب الواقعة أسفل جبل شاهق في أقصى عزلة حوراء التابعة لمديرية سامع، في كون مدرسة “السلام” التي كان يتوجب على الأطفال الذهاب إليها، تقع على مسافة بعيدة، وهي مدرسة تأسست في سبعينيات القرن الماضي، لخدمة جميع قرى العزلة، لهذا بنيت على جرف شاهق مفتوح على ثلاث جهات، الأمر الذي ظل يشكل مصدر قلق للأهالي، فيما يعد بعد المدارس أحد أسباب التسرب من التعليم، حسب تقارير محلية ودولية.
ولحل هذه المشكلة توافق الأهالي على تحويل الدور الأرضي لمسجد القرية، الذي ظل فارغاً باستثناء الأعمدة، إلى مدرسة مكونة من ثلاثة فصول، تستوعب على فترتين، صباحية ومسائية، نحو 250 طالباً وطالبة من الصف الأول وحتى الصف السادس.
غير أن المبنى وحده لا يكفي من دون وجود كادر تعليمي في وقت انقطع معلمون كثر عن العمل لأسباب عدة، بينها النزوح وتوقف دفع رواتب ثلاثة أرباع معلمي المدارس الحكومية. ولسد هذه الثغرة أطلق أهالي قرية الشعب دعوة للتطوع في مجال التعليم.
يقول مدير مدرسة النهضة، عبدالكريم علي مقبل، لـ”يمن سايت” إن مدرسته تعتمد على جهود المتطوعات بنسبة 90%، وأنهن يقدمن أداء جيداً. ويضيف: “لولا تفاعل الأهالي وحماسة المتطوعات لما استطاعت المدرسة أن تمارس نشاطها”.
كان مقبل يعمل موجهاً لمادة اللغة الإنجليزية، لكن وبسبب ما قال إنه تراجع وضع التعليم في المنطقة كإحدى نتائج الحرب، وقلق الأهالي على أطفالهم، وتعاونهم لإنشاء المدرسة، قرر التوقف عن العمل في مجال التوجيه، ليقوم بإدارة المدرسة بعد أن نجح في استخراج اعتماد رسمي لها كمدرسة حكومية من مكتب التربية والتعليم في المحافظة. لكن المدرسة لم تحصل حتى الآن على دعم الجهات الرسمية و المنظمات الأممية والدولية.
يقول مقبل: “اضطررنا إلى البحث عن متطوعات ليقمن بالتدريس، ثم تدريبهن كونهن من خريجات الثانوية، وتحفيزهن حتى يستطعن تقديم أداء جيد”، مشيراً إلى أن “الأهالي يدفعون مبالغ رمزية نقوم بجمعها وتوزيعها على المتطوعات من باب تحفيزهن فقط”.
حماس وتكافل
تسليم عبدالرحمن، وهي واحدة من المتطوعات في مدرسة النهضة، قالت لـ”يمن سايت” إنها تشعر بالفخر والحماسة لدورها كمعلمة متطوعة لتدريس مادة الرياضيات “خصوصاً عندما أسمع الأهالي يتحدثون عن التحسن الكبير في المستوى التعليمي لأبنائهم”، مشيرة إلى دور مدير المدرسة “الذي يحفزنا وينظم لنا دورات وورشاً تدريبية لكي نصبح معلمات جيدات”.
عبدالله عبدالفتاح، وهو أحد الأهالي الذين تبرعوا من أجل إنشاء المدرسة، قال لـ”يمن سايت” إن حلم أهالي قرية “الشعب” بتوفير التعليم لأطفالهم دون مشقة أو قلق، ما كان ليتحقق لولا المعلمات المتطوعات، اللاتي أصبحن يعلمن الأطفال ويحرزن معهم تقدماً لافتاً.
ويضيف عبدالفتاح: “كان الأمر بمثابة حلم قديم، وعندما قمنا بإنشاء الفصول، وبدأت الدراسة، كان مدهشاً تحسن مستوى الطلاب مقارنة بما كان عليه في السابق”.
وفقاً للبيانات الرسمية، يقدر عدد الطلّاب الملتحقين بالتعليم العامّ بـ6 ملايين طالب وطالبة، منهم 4.940.829 في التعليم الأساسيّ. يشكّل عددُ طلّاب مناطق الريف في التعليم الأساسيّ أكثر من 3.5 مليوناً، بمعدل 67% من إجمالي عدد طلّاب هذا التعليم. ويتوزّعون على حوالي 16.787 مدرسة في عموم الجمهوريّة.
لكن استمرار الحرب تسبب في انهيار كبير لقطاع التعليم. وتشير تقارير أممية إلى خروج ما لا يقل عن 2500 مدرسة عن الخدمة، بسبب الصراع المستمر على السلطة. وتحول كثير من الطلاب والمعلمين إلى مقاتلين في الجهات.
لهذا تقريباً بدا مشروع مدرسة النهضة في نظر البعض منجزاً أهلياً جديراً بالاحتفاء. يقول عبدالوارث عبدالرب، وهو أحد الآباء الذين ألحقوا أطفالهم في مدرسة النهضة: “برغم الظروف والمعوقات، أثبتت المعلمات المتطوعات وإدارة المدرسة أنهم عند مستوى المسؤولية”. مؤكداً لـ”يمن سايت” وجود نقلة نوعية، فالطالب في الصف الرابع أو الخامس سابقاً لم يكن قادراً على القراءة، بينما الوضع اليوم مختلف تماماً”.
إلا أن معيار تحسن التعليم الذي لاحظه الأهالي، لا يعدو أن يكون مجرد شعور ذاتي سرى على وقع اللحظة، فوفقاً لمؤشرات منتدى دافوس 2020، صُنف اليمن ضمن الدول التي تفتقر لأدنى معايير جودة التعليم.
ومع ذلك، يُحسب لإدارة المدرسة، وفق عبدالرب، تنظيمها حفلات تكريم للطلاب في نهاية كل فصل دراسي، وهو شيء لم يكن مألوفاً من قبل. “تشجيع الأطفال بهذا العمر يترك أثراً كبيراً، ويخلق نوعاً من الثقة والتنافس بين الطلاب”.
ولئن باعدت الحرب، بين اليمنيين وما يسعون لتحقيقه، إلا أن ثمة محاولات جسورة، تهدف إلى تقليص حجم الهوة، ومجابهة الظروف القائمة. وما تقوم به المعلمات المتطوعات في مدرسة النهضة، يندرج في هذا السياق، فانخراط الفتيات للتطوع في المدارس والمشافي الحكومية، بات ظاهرة انتشرت خلال السنوات الأخيرة، في مدينة تعز، وفي ريفها على السواء.