“بكت سالي وقالت: أيها الوحش لا تمت، أرجو أن تتحسن، أنا أحبك”. وسالي هذه بطلة قصة مصورة بعنوان “سالي والوحش“، كانت ضمن عشرات القصص المخصصة للأطفال، صادرتها وزارة الصناعة والتجارة في الحكومة اليمنية، بدعوى خدشها للحياء؛ بالمخالفة لاختصاص الوزارة المذكورة، والتي تأسست أصلاً بهدف ضبط الأسعار ومنع الاحتكار وتنظيم التجارة الداخلية.
وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها إشغال الشارع اليمني في قضايا توصف بالتافهة، فمنذ عام 2020 نفذت سلطات صنعاء مداهمات لمحال بيع الملابس النسائية، بدعوى أن عرض الملابس عبر الفاترينات والدمى يخالف القيم الإسلامية. ومطلع العام الجاري أثار رجل الدين عضو مجلس النواب الأسبق عبدالله العديني، ضجة مماثلة باتهامه لعريس وعروسه ظهرا يرتديان الزي اليمني، بمخالفة التقاليد والشريعة الإسلامية.
بدلاً من أن تعمل الأحزاب اليمنية التي تتقاسم السلطة في الشمال والجنوب، على التخفيف من معاناة ملايين الفقراء الذين فقد الكثير منهم كرامتهم جراء العوز والغلاء الفاحش، عمدت هذه الأحزاب، عبر أجهزتها الحكومية وأذرعها المليشياوية، إلى إلهاء الرأي العام بقضايا مفتعلة، حسبما يرى الذين تحدث إليهم “يمن سايت”.
تضليل ممنهج
وتأتي حملات التضليل الممنهجة هذه في وقت خلت الساحة من أية معارضة تتبنى صوت المواطن وهمومه. ويرى البعض أن الأحزاب اليمنية التي تتقاسم السلطة منذ 2012، استمرأت لعبة تزييف الوعي، خصوصاً بعد نجاحها في اصطناع مظلوميات زائفة.
وتزامنت مداهمة متاجر بيع المواد المدرسية مع انطلاق العام الدراسي الجديد، وعودة ملايين التلاميذ والتلميذات إلى المدرسة، في وقت فشلت فيه الوزارة المذكورة في ضبط الأسعار، رغم التحسن النسبي في قيمة الريال اليمني مقابل الدولار قياساً بالعام الماضي.
وزعمت وزارة الصناعة والتجارة أن مداهماتها للمكتبات تستند على المادة الثانية من قانون التجارة الداخلية رقم 5 لسنة 2007، والتي تعرف السلع المحظورة بأنها “السلع التي لا يسمح بتداولها أو امتلاكها كونها تخالف الشريعة الإسلامية”. لكن هذا النص الذي ورد أصلاً ضمن “التسمية والتعاريف”، يشير إلى السلع المخالفة، مثل لحوم الخنزير والخمور وغيرها. أما الرقابة على المطبوعات والأعمال الفنية، فمن اختصاص إدارة المصنفات بوزارة الإعلام والثقافة، حسبما أكد قانونيون لـ”يمن سايت”.
ونفى مدير التوجيه المعنوي في شرطة تعز العقيد أسامة الشرعبي، علم إدارة الأمن في المحافظة بانتشار المستلزمات المدرسية المخلة بالآداب، مؤكداً لـ”يمن سايت” أن الإدارة العامة لشرطة تعز لم تتلقَّ حتى الآن أي بلاغ بخصوص تلك المستلزمات التي انفرد مكتب الصناعة في إجراءاته المتخذة لمكافحتها”.
وأجرى “يمن سايت” عملية تدقيق ميدانية وعبر تقنية البحث العكسي، للصور التي نشرتها وزارة الصناعة والتجارة للمواد المضبوطة، ووجد أن غالبتها يعود لأعمال كرتونية مخصصة للأطفال، وتنتشر منذ سنوات طويلة في بلدان عربية عدة، ومنها اليمن.
وعلى سبيل المثال، فإن صورة بن 10 وابنة عمه التي قالت الصناعة إنها “مخلة”، هي شخصية كرتونية لطفل في عمر العاشرة يدعى “بن”، ظهر أول مرة عام 2005، في مسلسل كرتون أمريكي حمل الاسم نفسه، وأعادت بثه بدبلجة عربية قنوات عربية مخصصة للأطفال، مثل قناة “إم بي سي 3” السعودية. وينطبق الأمر أيضاً على بقية المصادرات، كقصة الأميرة والضفدع وغيرها.
ويقول التربوي عبدالله الحميدي (47 عاماً) لـ”يمن سايت” إن الأخبار المتداولة حول انتشار مستلزمات فاضحة، قادته أثناء ابتياعه لاحتياجات أطفاله المدرسية، إلى تفقد البضائع المعروضة في عدد من المكتبات، بحثاً عن أي مظاهر فاضحة وخادشة للحياء، ولكنه لم يجد سوى صور ورسومات لشخصيات كرتونية اعتاد الأطفال على مشاهدتها في عدد من القنوات الخاصة بهم.
توجيهات عليا
وصار “بن 10” وغيره من الشخصيات الكرتونية بمثابة أيقونات لكثير من الأطفال، وملصقات تزين الأدوات المدرسية وكراسات التلوين، إلا أن وزارة الصناعة والتجارة انحرفت عن وظيفتها الرئيسة، ولعبت دور الرقيب الأخلاقي، في استعادة متأخرة لوظيفة شرطة النهي عن المنكر التي انقرضت في المملكة العربية السعودية، بعد صعود الأمير محمد بن سلمان إلى الحكم.
ويرى الناشط في ساحة الحرية في مدينة تعز، عبدالإله الزيادي، أن عملية الدهم التي نفذها مكتب الصناعة والتجارة لمصادرة مستلزمات مدرسية وقصص مصورة خاصة بالأطفال، “واحدة من الفزاعات التي تطلقها السلطات المحلية للتخفيف من ضغط الشارع عليها، وإلهاء السكان وصرف انتباههم عن الاحتجاج ضدها، وجعلهم ينشغلون بقضايا جانبية وهامشية”.
وتواصل معد هذا التقرير مع مدير مكتب الصناعة في تعز مصطفى الأديمي، إلا أنه تجنب الرد على أسئلتنا، وأحالنا على مدير إدارة الأسواق في المكتب محمد اليوسفي، الذي أبدى تحفظاً، واكتفى بالقول إن تلك المستلزمات دخلت البلاد عبر ميناء عدن، ثم انتشرت في العاصمة المؤقتة التي وصلت منها كميات محدودة إلى مدينة تعز، مشيراً إلى أن الحملات التي نفذها مكتبه جرت بموجب توجيه من الوزارة.
وبحسب رضوان جمال (24 عاماً)، وهو عامل مكتبة في تعز، فإن المواد المدرسية المنتشرة في المدينة خلال هذا العام، لا تختلف عن نظيراتها في الأعوام السابقة، “باستثناء تغييرات طفيفة تمثلت في إضافة صور ورسومات لشخصيات مستوحاة من مسلسلات وأفلام كرتونية محببة للأطفال، وذلك لتسويق تلك البضائع، والتي توجس منها البعض، وجعلتهم يرونها مخلة بالآداب”، يقول جمال لـ”يمن سايت”.
وفي البلد الأفقر والأقل استقراراً في المنطقة العربية، تستمر المليشيات الحزبية والقوات الحكومية في الشمال والجنوب، في تجنيد الأطفال، والزج بهم في جبهات القتال، مستغلة في ذلك حاجة أسرهم للغذاء، وفق تقارير أممية وحقوقية، خصوصاً في ظل توقف رواتب حوالي مليون موظف حكومي يشكلون مع أسرهم حوالي ربع السكان.