دائماً ما ترصد الكاميرا تحركات المشاهير في كل العالم، فهم مِحور عدسة الكاميرا وجوهر اللقطة. وفي بلد منسي كاليمن، اعتاد المصورون على التقاط صور بكاميرات تتكسر بِكْسلاتها كلّما كانت الصورة تعكس لحظة فرح، وتتركز عدسة الزوم عندما تُلتقط صورة للدم الذي يكسي الطرقات، لا سيما تلك اللحظة التي يصطاد الرصاص الحي والشظايا، ضحاياها من أُناس قد حالفهم الحظ يوماً أن يكونوا جزءاً من صورة رئيسية، وهم غالباً المنسيون.

في 6 مارس 2022م، وصلت الممثلة الأميركية والمبعوثة الخاصة لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أنجلينا جولي، إلى اليمن؛ بهدف لفت الانتباه إلى العواقب الكارثية على المواطنين المدنيين. رافقت زيارة أنجلينا جولي لليمن الكثير من التداعيات التي اهتم بها رواد السوشيال ميديا داخل اليمن وخارجه، أبرزها تداول صورة لجواز سفرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى إثر ذلك رفضت أنجلينا جولي اعتذار إدارة مطار عدن عن هذا التسريب.
لم يهتم اليمنيون سوى بتداول الأحداث التي صاحبت الزيارة، وليس بوقع الزيارة نفسها، والتي كان أشهرها الصورة التي ظهر فيها الملازم ثاني: محمد ناصر أحمد عزب (محمد المارمي)، المرافق الأمني لأنجلينا جولي، في مطار عدن الدولي.
التقطت الكاميرا، بقصد أو بغير قصد، صورة عفويَّة لمحمد المارمي، وهو ينظر إلى الممثلة أنجلينا جولي، فانتشرت هذه الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت مثالاً للتندر والسخرية، التي نالت من هذا الشاب.
عُدّلت الصورة، ودُبِّجت بالمنشورات، وذُيلت بالتعليقات، التي نضحت بالأنا المُفرغة، وعكست حقيقة الصورة الذهنيّة للعربي المسحور بالغرب وجماله، كما تُعززها المدونات الغربيَّة في مقارباتها الثقافية، عن تلك الشعوب التي تأبى أن تحمل منظوراً أبعد عن التسطيح، لا سيما إذا كان للأمر علاقة بصورة تظهر فيها امرأة ورجل.
عُنيت وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، تيك توك)، بنقل الصورة نفسها للملازم المارمي مع الممثلة أنجلينا جولي، ولُقب المارمي بـ”سفير النوايا السيئة”، في داخل وخارج اليمن.



بعيداً عن تداول وسائل التواصل الاجتماعي للصورة التي أخذت منحى تنمرياً وإساءات للمارمي، لم تكن المواقع الإخبارية التي من المفترض أن تنقل الخبر باحترافية ودقة، حصيفة في النقل، بل تحولت هذه المواقع إلى ماكينة ضخ لما تقيأته وسائل التواصل الاجتماعي، فالغلبة في نقل الخبر أو المعلومة في المواقع الإخبارية، يتصل غالباً بالرائج (الترند)، وبرصد ما يتناقله روَّاد وسائل التواصل الاجتماعي.
لهذا تطابقت عناوين الأخبار التي تداولتها المواقع، مع منشورات الفيسبوك حول محمد المارمي.
فموقع المشهد الخليجي تطرق للقب الذي اشتُهر به المارمي على وسائل التواصل الاجتماعي، فوضع العنوان الآتي: “يمني يُطيل النظر في أنجلينا جولي عقب وصولها مطار عدن، ولقب بـ”سفير النوايا السيئة”.. من هو؟”.
فيما وضع موقع كريتر سكاي تساؤلاً عنه: “من هو الشخص الذي أثار مواقع التواصل الاجتماعي بنظراته للممثلة الأمريكية؟”.
ولم يخرج موقع يمن بوست في تداوله للترند المصاحب للصورة: “شاب يمني يثير جدلاً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي بنظراته للممثلة الأمريكية أنجلينا جولي بعدن.. من يكون؟”.
وبعد مضي أشهر من زيارة أنجلينا جولي، وتحديداً يوم الأربعاء 29 يونيو 2022م، قُتل محمد المارمي بتفجير إرهابي استهدف موكب مدير أمن محافظة لحج، اللواء صالح السيد، بالقرب من مطار عدن الدولي في خور مكسر، عدن. قتل المارمي مع ركَّاب مدنيين كانوا على متن باص أجرة صادف مروره لحظة وقوع الانفجار.
محمد المارمي، لم تهتم الكاميرات بنقل صورته بشكل خاص؛ لأنه لم يكن ضمن العدسة التي تبحث عن لقطة مركزيَّة لشخصية مُهمة.
نقلت المواقع خبر مقتله مرفقاً بصورته مقتولاً، ومع هذا لم يكن خبر مقتله مُستفزاً للإعلام، فصور القتل عادية لا تُدهش اليمنيين، كل يوم يقتل الناس، لا أحد يهتم، إلَّا إن كان المغدور شخصية سياسية أو عسكرية، أو كان القتل يؤجج الصراع، أو مرتبطاً بأحد أطرافه.
نقلت المواقع خبر بإكليشة واحدة: “الشاب الذي أطال النظر لأنجلينا جولي”، رُبط خبر موته وحياته بصورة التقطت له في لحظة عرضية.
فموقع حيروت، مثلاً، عنون خبر مقتل المارمي بـ”مقتل ضابط اشتهر بصورته مع الممثلة الأمريكية العالمية أنجلينا جولي في التفجير الذي استهدف مدير أمن لحج في عدن”.
ووضع موقع نافذة اليمن الخبر تحت عنوان “تصور مع الممثلة الأمريكية أنجلينا جولي.. المارمي أحد ضحايا تفجير مدير أمن لحج بعدن”. أما موقع كريتر سكاي فلم يذكر اسمه: “مقتل الشاب الذي ظهر مع الممثلة أنجلينا جولي في عدن بتفجير موكب مدير أمن لحج”.
العناوين جميعها ذكرت اسم أنجلينا جولي، وعرَّفتها بصفتها مُمثلة، وليست بصفتها المبعوثة الخاصة للمفوضية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهي الصفة التي بموجبها زارت اليمن، لم تتحرَّ المواقع التوصيف الدقيق بنقل خبر مقتل محمد المارمي، وحتَّى تضمن إثارة اهتمام القراء، عمدت إلى تذكيرهم بالصورة التي جمعته بأنجلينا جولي، والتي كانت محط تنمر في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع.
إن الصورة الأيقونية التي ظهر فيها محمد المارمي، بعفوية، مع أنجلينا جولي، تُعد دليلاً على تراتبية المواطن في هذا البلد، فهو مقتول مرتين؛ مرة بالتنمر، ومرة بنقل خبر مقتله مقروناً بالتنمر، فلم يلقَ خبر مقتله الزخم نفسه الذي صاحب صورته مع أنجلينا جولي، ترحم عليه البعض، لكن موته لم يثر حفيظتهم، ولولا تلك الصورة لكان توصيفه: أحد الركاب الذي قُتلوا في التفجير.
بعد عام من زيارة أنجلينا جولي إلى اليمن، ما الذي تغير؟
يتبادر إلى ذهني سؤال: تُرى، هل عرفت أنجلينا جولي بمقتل مرافقها الأمني في مطار عدن؟ هل سمعت -ولو من قبيل المصادفة- عن تلك الصورة التي جمعته بها، والتي كانت بمثابة علامة يُعرف بها جسد الشاب المُسجى على نافذة الباص؟
وددت حقاً أن آخذ منها تصريحاً، أن أُخبرها أنه مازال هناك من يتخذون من “الحلص” وجبة رئيسية لهم، الأمر الذي أبكاها عندما اطلعت على حال النازحين، والذي للأسف أيضاً كان محط سخرية رواد مواقع التواصل اليمنيين الذين استغربوا أنها تبكي على القات. مُجتمع يرزح تحت الحصار، وعلى مشارف مجاعة، يستهزئ بمعاناة الآلاف؛ ليحصل على اهتمام المتابعين لهم.
أنجلينا لم تعرف الكثير عن معاناة شعب تناثرت أحذيته مع أول تباشير هلال العيد، قُتلوا بخمسة دولارات، صورهم تناقلها اليمنيون مع تهاني العيد.
يموت اليمنيون مجاناً، ولا أحد يعدهم، لا يزور اليمن مبعوثون من الأمم المتحدة كل يوم، لتُحفظ صور مرافقيهم من البسطاء.
ستبقى صورة محمد المارمي مع أنجلينا جولي، شاهدة على العلاقة الأزليَّة بين الموت والحياة في بلادي، فالموت هو المتن، وعلى هامشه الحياة.