تشمِّر حورية (26 عاماً) عن ساعديها، ثم تشرع مع زميلاتها بعجن مخلوط “بنت الصحن”؛ الطبق الشهي والشهير. فيما تصطف في الغرفة المقابلة آلات خياطة تجلس خلفها نساء يطرزن الملابس ضمن مشروع “المساحات الآمنة للنساء والفتيات”، الذي ينفذه فرع اتحاد نساء اليمن في مديرية الشمايتين بمحافظة تعز، بتمويل من صندوق الأمم المتحدة للسكان، بهدف التمكين الاقتصادي للنساء النازحات، حسبما تقول لـ”يمن سايت”، مسؤولة المتابعة والتقييم في اتحاد نساء الشمايتين، فالنتينا العزعزي.
يقع مبنى اتحاد نساء الشمايتين، على بعد حوالي 500 متر من مدرسة النعمان في منطقة تربة ذبحان، المدرسة التي أسسها، مطلع القرن العشرين، أحمد محمد نعمان، الموصوف سياسياً وإعلامياً برجل التنوير والمدنية، والشهير بـ”الأستاذ”.
ما إن تدلف إلى مبنى الاتحاد حتى تفاجأ بحركة دؤوبة لنساء وفتيات من مختلف الأعمار، يعملن كأنهن خلية نحل. فلئن صارت مدينة تربة ذبحان أو “مدينة الأستاذ” مرتعاً للمسلحين، يبقى مشهد عمل النساء الأثر المتبقي من تراث المدنية والتعايش الذي كانت عليه تربة ذبحان قبل الحرب.
وتسببت الحرب التي يشهدها اليمن على خلفية انقلاب 21 سبتمبر 2014، في تمزق النسيج الاجتماعي، وانهيار الاقتصاد اليمني، وتفكك مؤسسات الدولة، وارتفاع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية إلى 21 مليون إنسان، ونزوج أكثر من 4 ملايين شخص، حسب بيانات الأمم المتحدة.
تقول لـ”يمن سايت” زبيدة التي كانت تجلس خلف ماكنة خياطة، إنها تتدرب هنا في اتحاد نساء الشمايتين، على الخياطة والتطريز، لتتمكن من مساعدة أسرتها التي نزحت في 2017 من حي عصيفرة في مدينة تعز.
يشكل النساء والأطفال ثلاثة أرباع إجمالي النازحين في اليمن، وحوالي 26% من العائلات النازحة تُعال اقتصادياً بواسطة نساء، حسب صندوق الأمم المتحدة للسكان.
تقول مديرة الإحالة في اتحاد نساء الشمايتين سهام محفوظ، لـ”يمن سايت” إن “خروج النازحات للعمل سببه عدم وجود عائل، وتدهور الوضع الاقتصادي بسبب الحرب وتشتت الأسر”.
حراك وسلبيات
ومدينة التربة هي مركز مديرية الشمايتين، وتقع على خط لحج -تعز، المنفذ التجاري والإنساني الوحيد لمدينة تعز المحاصرة منذ 2015، الأمر الذي أدى إلى اتساع العمران في تربة ذبحان، ومع تدفق النازحين إليها، صارت محطة لوكالات الإغاثة.
يقول لـ”يمن سايت” غانم خالد، منسق مشروع “لها” في الشمايتين، الذي تنفذه “منظمة مدرسة السلام“، إن المشروع الممول من الوكالة الألمانية Giz، درب ٤٥ امرأة، بينهن نازحات، على إدارة المشاريع والتسويق والتعايش، شملت مجالات الخياطة والكوافير والتصوير والمعجنات وصناعة البخور.
وكانت منظمة “يوديت” دربت أيضاً ٥٠ امرأة من النازحات وممثلات عن المجتمع المضيف، ضمن مشروع دعم رائدات الأعمال النازحات (مشروع دكان)، واستهدف تمكينهن اقتصادياً في مجالات الإدارة والمحاسبة وبناء المواقع الإليكترونية والتطبيقات البرمجيات والأمن الرقمي.
وقال مدير المشروع المهندس حلمي عبدالقوي، لـ”يمن سايت” إن التدريب اختتم باختيار ٦ مشاريع مقدمة من 30 متدربة، بقيمة ٣٠ ألف دولار.
وأدى هذا الحراك إلى انتعاش اقتصادي نسبي، بيد أن سلبيات كثيرة طفت على السطح، مثل ارتفاع الإيجارات، وكراهية النازحين، وانتشار حمل السلاح بين السكان، وهو أمر لم يسبق أن عرفته هذه المدينة الصغيرة التي ظلت على مدى قرون مدنية بامتياز، كما يقول سكان.
والجمعة الماضية، تركزت الأنظار على مدينة التربة إثر قتل مسلحين فيها موظفاً أممياً يدعى مؤيد حميدي (أردني الجنسية)، كان في طريقه إلى تعز، لشغل منصب مدير مكتب برنامج الغذاء العالمي.
ويقول لـ”يمن سايت” أنور سعيد، وهو أحد سكان المنطقة، إن الحادثة واحدة من الأعمال التي تمارسها الجماعات المتصارعة على السلطة، بهدف مفاقمة الوضع الإنساني في تعز”.
عنف مزدوج
وفرع اتحاد نساء الشمايتين، واحد من 17 فرعاً من فروع الاتحاد العام لنساء اليمن، تنفذ في 11 محافظة مشروع المساحات الآمنة.
وعلاوة على التمكين الاقتصادي لمئات النازحات، استقبل اتحاد نساء الشمايتين عشرات المعنفات، بينهن فتيات تعرضن لاغتصاب، حسبما تؤكد لـ”يمن سايت” رئيسة فرع اتحاد الشمايتين سميرة العزعزي.
وأدت الحرب في اليمن إلى ازدياد العنف ضد النساء والفتيات بنسبة ٦٣٪، حسب صندوق الأمم المتحدة للسكان الذي يقول إنه ساعد في العام 2022 أكثر من 2.7 مليون امرأة وفتاة في اليمن.
وتواجه اليمنيات عنفاً مزدوجاً؛ فإضافة إلى العنف الأسري، هناك أيضاً عنف المجتمع. وتقول سميرة العزعزي إن الاتحاد قدم الإيواء والمساعدة النفسية والقانونية لمعنفات، بعضهن قدمن من خارج محافظة تعز.
أم حلا (40 عاماً) التي كانت تعمل أخصائية اجتماعية في صنعاء، واضطرتها ظروف الحرب إلى النزوح إلى الشمايتين، قالت لـ”يمن سايت” إنها تعرضت لعنف نفسي من أفراد المجتمع المضيف، ما أصابها بحالة اكتئاب. مشيرة إلى أنها صمدت حتى استطاعت النهوض مجدداً، والحصول على فرصة عمل لدى منظمة إنسانية، لم تسمها.
ووفقاً لفالنتينا العزعزي، فإن النساء النازحات هن أكثر معاناة من حيث المسكن، ومن حيث تقبل المجتمع المضيف، لكنهن -أي النازحات- “هن الأكثر نجاحاً في مشاريع التمكين الاقتصادي”.
وتتفاخر أم علياء (30 سنة)، وهي إحدى النازحات إلى مديرية الشمايتين، بصمودها الأسطوري، موضحة في حديث مع “يمن سايت” أنها تمكنت من التغلب على الظروف الصعبة، وإكمال دراستها تخصص مختبرات طبية، ثم المشاركة في دورة نظمها اتحاد نساء اليمن، بدعم من الوكالة الألمانية giz، عام ٢٠٢٢، في مجال إعداد المنظفات “ما مكنني من الخروج إلى سوق العمل”، تقول أم علياء.
وتصف الأمم المتحدة الوضع في اليمن بأسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم، بيد أن اتهامات توجه إلى الأمم المتحدة بالضلوع في مفاقمة معاناة المدنيين جراء هذه الحرب، وهي حرب لم تكن لتنشب أصلاً لو لم تتواطأ الأمم المتحدة مع النخب السياسية اليمنية والمجتمع الدولي على إشعالها، حسب المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات.
في نوفمبر2021، أثناء زيارته لمدينة تعز، سلك مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، نفس الطريق الذي قتل فيه، الجمعة الماضية، موظف برنامج الغذاء العالمي. في تلك الزيارة تعرف غروندبرغ على معاناة السكان جراء الحصار المفروض على تعز، لكن الأمم المتحدة استثنت تعز عند تنفيذ اتفاق ستوكهولم. كما لم ينفذ البند الخاص بقضية المرتبات المتوقفة منذ نهاية عام 2016، والتي تسببت بإفقار أكثر من مليون موظف حكومي يشكلون مع عائلاتهم ربع السكان، حسب البنك الدولي.