كان علي وجيه في عامه الجامعي الثاني في مجال الإدارة بإحدى جامعات ماليزيا. وفي مطلع ٢٠١٩، عاد من ماليزيا إلى شبوة لقضاء إجازته الدراسية مع أهله. لكن إجازته أنتهت ولم يتمكن من السفر، فقد داهمت جائحة كورونا العالم وأغلقت المطارات والبلدان. ومع صعوبة السفر وامتداد الإجازة، وازدياد الظروف سوءاً، اقترحت الأسرة عليه البقاء بجانبها، والبدء بمشروع خاص. ففكر علي بمشروع صغير، ولكنه جديد وغير مسبوق في عتق.
اعتاد مجتمع عتق والمجتمع الشبواني عموما على مطاعم تقدم لهم أطباقًا محلية مثل: “المضغوط والمندي والقلابات والملوح”، وبيوت تقدم أكلات شعبية مثل: “المعصوب والإدامات والمسيبلي”. فكيف سيتقبلون الوجبات الغربية والشرقية السريعة، مثل: الساندويتش والبرجر؟ هذا ما أجاب عليه الشاب علي وجيه (٢١ عاما) بمشروع على الأرض.
للوهلة الأولى، يبدو التفكير بمشروع للوجبات السريعة في مدينة عتق النائية، ضربًا من المجازفة، وربما الجنون، إذ كيف لمستثمر أن يبدد أمواله على فكرة قد تكون احتمالية فشلها أعلى من نجاحها، خصوصًا في منطقة ظلت بمنأى عن مظاهر الحياة الحديثة، ملتزمة بتقاليدها وخصوصية أطباقها، كمحافظة شبوة.
ووسط مجتمع يحتفظ بطقوسه الخاصة في تناول الطعام وطريقة تحضيره وتقديمه، سواء في المطاعم أو في البيوت، ربما يكون من الصعب عليه الانسجام بسرعة مع المذاق والشكل الجديد كليًا للأكلات والتقاليد.
أدرك الشاب علي وجيه (21 عامًا) كل هذه التحديات، ورغم ذلك نفذ فكرته، بمزيد من الإصرار والثقة المحرّزة بضمانات وبدائل.
ومطلع سبتمبر الماضي، افتتح علي مطعم “مستر ساندويتش” للأكلات الغربية والشرقية، في قلب مدينة عتق، على عربة متنقلة أو “فودترك”، تحسباً لأي فشل.
كان مشهد الافتتاح مشجعًا، حيث تحلق العشرات حول العربة في الساعات الأولى، بين زبائن ومهنئين. “شعرت كأنهم يقولون لي اطمئن نحن معك.. خليك عندنا”، قال علي الذي تلقى الاحتفاء الشبواني الأصيل بالافتتاح، كشهادة ميلاد ثانية من شبوة، التي طالما شعر بغربتها في حياته، حتى اللحظة.
قبل 21 عامًا، ولد علي في الغربة: في المملكة العربية السعودية، حيث عمل والده طيلة 4 عقود، استمرت حتى نهاية العام 2018، عندما قرر العودة لقضاء بقية حياته في اليمن.
اقتصرت معرفته بشبوة على أنها أصل والده الذي اصطحبه إليها في 3 زيارات، مع مواسم الأعياد، خلال طفولته. وقد هدف الأب إلى خلق علاقة بين أبنائه و”الوطن والأقارب والهوية”. لكن “الشعور بالضيق والملل” كان رفيق زيارات الطفل الشحيحة. وفي مطلع 2019، كانت الزيارة الرابعة، هذه المرة وقد صار شابًا، وبعد أن عادت أسرته إلى شبوة للاستقرار الدائم.
وصل علي من ماليزيا، قبل أيام من انفجار الحديث عن جائحة كورونا، لقضاء الإجازة الدراسية مع أهله. وبعد إغلاق المطارات وتدهور الأوضاع الإقتصادية أكثر، استسلم لطلب أبيه وأمه بالمكوث معهم وفتح هذا المشروع الخاص والطموح وإن بدا الآن صغيراً.
في الوقت الذي تعلو فيه نسبة الهجرة أو النزوح أو الشتات اليمني، هربًا من البلاد، جراء الصراع المستمر منذ 2014، بدت أسرة وجيه على النقيض، إذ ملّت الغربة، ووجدت أن العودة إلى اليمن هي الأصوب. وناشدت الابن “كفاية غربة”، يقول علي.
السلطات توجه بالإزالة
وافقت السلطات، ممثلة بمدير مديرية عتق، ومدير بلديتها، على إقامة المشروع الصغير قبل تنفيذه، وشجعت علي على خطوته. استمر العمل 3 أشهر، وذاع صيت المطعم الجديد في المحافظة كلها، كنموذج للتنظيم والجودة والنظافة.
ويقول إنه على الرغم من عدم تلقي السلطات أية شكاوى ضد المطعم، إلا أنها صدمتهم بقرارها المفاجئ، يوم 23 نوفمبر الماضي، “بضرورة الإزالة للمطعم”.
استاء الشاب من هذه التوجيهات، واعتبرها “إعاقة للشباب بدلًا من مساعدتهم”. كما اعتبرها “مجحفة”، وستقضي على “مصدر عيش لـ10 عائلات، وتعرض الشباب للبطالة والفراغ”.
وتبرر قيادة المحافظة قرارها، وفقاً لصاحب المشروع، بأن المطعم قد “يشجع العديد من الشباب وأصحاب المشاريع الصغيرة على انتهاج ذلك (عمل مشاريع على عربات متنقلة)، ما يسبب مشكلة في الحفاظ على تنظيم المدينة”.
ويقول علي إن مصدر هذه التوجيهات، هم من وصفهم بـ”أصحاب العقليات القديمة”.
ويعاتب قيادة المحافظة من خلال موقع “يمن سايت”، قائلًا: “والله كسرتم مجاديفنا بهذه التوجيهات”، متسائلًا: هل تساءلت المحافظة عن مصيرنا لو أزالت مصدر عيشنا “إحنا فين نروح؟”.
ويلفت نظر القيادة إلى النتائج السلبية التي قد تؤدي إليها هذه التوجهات: “لا يمكن لعجلة التنمية أن تدور إذا لم يتم إشراك الشباب ودعم المشاريع الصغيرة”.
عانت محافظة شبوة، كغيرها من المحافظات اليمنية، من ويلات الحرب الأهلية التي تعصف بالبلاد. ومنذ أشهر، تعلن السلطة المحلية فيها، برامج ومشاريع، لمساعدتها على التعافي. لكن اتخاذ قرارات مثل هذه دون مبررات، قد تعمل على تعميق الجراح، وتفاقم المعاناة والألم. إن تطبيب المجتمعات يبدأ بمعالجة العوامل الاقتصادية، وهذا ما تحتاجه شبوة واليمن عمومًا، وما يجب على قيادة المحافظة وفصائل الصراع بأكملها أن تدركه.
وهذا المشروع هو شاهد على دعم الشباب، ودعم عجلة التنمية عمومًا، ودعم المواطنين والشباب على تخطي المحن والمعاناة التي عاشوها خلال فترة الحرب، وقبلها لسنوات.