جميع الأطفال يحبون اللعب، أما سعاد الحربي فشغفت بلعبة واحدة تعلقت بها وكبرت معها في مدينة قعطبة، محافظة الضالع. في هذه البلدة الصغيرة ذات الإرث الطويل من النزاعات المسلحة، استطاعت سعاد أن تحول لعبة طفولتها إلى معمل خياطة ومؤسسة تدريب هي الأولى من نوعها في المنطقة.
مع اجتياح الحوثيين (أنصار الله) العاصمة صنعاء، في ٢١ أيلول /سبتمبر ٢٠١٤، انتاب يمنيين كثر قلق من احتمال تعطل حياتهم ومصادر عيشهم، تضاعف ذلك مع تدخل التحالف العربي عسكريا بقيادة السعودية في آذار/مارس ٢٠١٥، لإعادة الحكومة اليمنية، وإنهاء الانقلاب.
سعاد الحريبي المنتمية لأسرة فقيرة، دأبت منذ بداية الحرب، بأعمال الخياطة داخل البيت، وكأنها تحضر نفسها لمواجهة الأيام العصيبة المقبلة.
يعود نجاحها في تجاوز الفقر، ومصاعب الحرب، إلى هواية قديمة رافقتها منذ طفولتها المبكرة، ونمت معها كما ينمو الكائن الحي، وفق ما تروي ل”يمن سايت”.
لعبة الأحلام
بينما كانت صديقات طفولتها يقضين وقتهن في ألعاب الأطفال المعروفة في قعطبة كالكرة والجري والغُمِّيضة، وغيرها من اللعب، كانت سعاد تجمع اكياس البلاستيك المستعملة وتحولها إلى تصاميم مُتخيلة، تحاكي ملابس الأطفال والنساء. مثلا كانت تطبق كيسين على بعضهما بعد تحديد الزوايا، وترتقهما بالحجر، وتحولهما إلى فستان أو ما شابه، وتعلقه على الجدران كعرض، حسب وصفها.
شكلت الظروف المعيشية القاسية لعائلة سعاد، أبرز دوافعها لتعلم الخياطة. فالأسرة المكونة من 13 فردا، كانت تعتمد على راتب يتقاضاه والدها، من عمله كشرطي ، لا يتجاوز 20 ألف ريال (حوالي 100 دولار بسعر تلك الفترة). هذا المبلغ بالكاد كان يغطي الاحتياجات الملحّة.
وحين بلغت سعاد سن الثالثة عشرة، تمكنت من خياطة أول فستان لطفلة، “بقماش ومكينة حقيقية”، بعد اسبوع من التدريب النظري بمشغل حكومي في المنطقة. لتستولي عليها فكرة امتلاك ماكينة خاصة بها.
“سعاد ستكون مصدرا لسعادة الاسرة”، هذا ما كان يردده والدها، إعجابا بعقليتها الاستثمارية إلّا أنه اعتذر عن شراء مكينة لها، معبراً عن قلقه من إهمالها للدراسة، وانشغالها بأحلام “غير مضمونة”، كما يقول.
إلا أن شغف سعاد بالخياطة، استولى على تفكير التلميذة الصغيرة، الذي كانتها.
في تشرين الأوَّل/ أكتوبر ٢٠٠٩، عامها الأخير في المدرسة الثانوية، قايضت سعاد والدها بالتنازل عن كسوة عيد الفطر مقابل شراء أول آلة خياطة في حياتها بثمن كسوتها. تقول سعاد : “اشتريت المكينة بستة آلاف ريال. وبعد ثلاثة أشهر، ارتديت فستاناً خطته لنفسي احتفالا بعيد الأضحى.
تطوير “اللّعبة”
شكّل الفستان شهادة على قدرات سعاد لدى جارتها الخيّاطة، فعرضت عليها العمل، لصالحها بأجر أسبوعي مقداره الفا ريال. وخلال عام حققت رغبة والديها بالحصول على شهادة الثانوية العامة، بعدها تفرغت لشغفها الخاص: الخياطة.
في عام 2010، دشنت مشروعها الخاص من البيت: “خياطة فساتين بناتي”، وإرسالها للبيع في المعارض بمدينة “قعطبة”.
بمرور الوقت، تجاوزت سعاد شهرة ربة عملها، وتمكنت من توسع نشاطها في توفير متطلبات الخياطة المنعدمة في محافظة الضالع، حتى أصبحت الوجهة الأولى لمستلزمات الخياطة في المحافظة كلها.
بحلول ربيع عام 2015، أتسع نطاق النزاع المسلح في اليمن، واتخذ طابعا إقليميا؛ ما أدى إلى إغلاق حوالي ٤٢ في المائة من الشركات المملوكة للنساء. ونتيجة لفقدان الرجال أعمالهم أيضا جراء النزاع، ألقي العبء الأكبر على النساء.
في المنطقة التي تنتمي إليها سعاد، تشكّل الثقافة السائدة قيدا إضافيا على أنشطة النساء وحركتهن، حيث يحرمن حتى من الخروج إلى السوق، وينظر إليهن كـ”ربات بيوت لا أكثر”، كما تقول سعاد، مشيرة إلى أنها عندما قررت توسيع نشاطها التجاري، خارج المنزل، ووجهت فكرتها بمعارضة شديدة من أسرتها، حرصاً عليها، وقلقاً من مخاطر فشلها، سيما في ظل الحرب، والوضع الامني والاقتصادي المنهار. بينما رفض مالك العقار توقيع عقد إيجار معها، وردّ عليها: “التفاهم على الايجار شأن الرجال، خلي اخوك يجي يتفاهم معي”، أوصت سعاد.
وبعد شهرين من تدخل التحالف العسكري في اليمن، كانت قد أقنعت أخاها الأكبر بالتفاهم مع مالك العقار، وافتتحت متجراً لبيع مستلزمات الخياطة، ويقع وسط أول مجمع تجاري بقعطبة (اشبه بمول)، وهو أول محل متخصص بهذا النوع من السلع في المدينة. ومع افتتاح المجمع بدأت النساء يخرجن إلى السوق لأنه أكثر أماناً، كما تلقين المشروع بارتياح كبير ، ورغبة في تعلم الخياطة.
في مواجهة الحرب
تقع مدينة قعطبة، في نطاق سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم اماراتياً، (يشارك في تشكيلة الحكومة المعترف بها دوليا)، ويخوض مابين وقت وآخر مواجهات متقطعة مع الحوثيين، ماتسبب في قطع الطرق الرئيسة، ما فرض على السكان طرق بديلة وعرة وطويلة.
تقول سعاد، التي تجلب بضاعتها من صنعاء، إن “المسافة التي كانت تستغرق 4 ساعات للوصول إلى صنعاء، تتطلب حالياً 15 ساعة” ما يضاعف من العناء وتكاليف التنقل.
دفع النزاع المستمر منذ أيلول/سبتمبر 2014، الاقتصاد اليمني إلى حافة الهاوية، تاركاً ملايين اليمنيين غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية، ووقوع أكبر كارثة إنسانية في العالم، فتقلص الاقتصاد بنسبة 50% تقريبا، حسب تقارير الأمم المتحدة، وانخفضت قيمة الريال اليمني إلى حد كبير، وتفاوت سعر الصرف مقابل الدولار ما بين الشمال والجنوب.
تقول سعاد: نشتري الدولار من عدن بمبلغ 1500 ريال، ونبيعه في صنعاء ب 600 ريال كحد أعلى، مشيرة إلى ارتفاع كلفة نقل البضائع والسلع “بمعدل ثلاثة إلى أربعة أضعاف”.
العمل في التدريب
بالرغم من التحديات جراء النزاع، إلّا أن كل ذلك لم يكبح أو يعوق طموح الحريبي. ففي ١٥ يونيو ٢٠٢١، افتتحت سعاد “مؤسسة السعادة للتدريب والتأهيل المهني” الخاصة بها، وتعد الأولى في المنطقة.
ووفقا لسعاد، تعمل المؤسسة في إطارين: الأول تدريب على الخياطة أو الكوافير، برسوم رمزية؛ والثاني: يختص بتوظيف الطاقات في المشغل، بواسطة “استيعاب المتفوقات بالتدريب، وتوفير فرص لهن”.
حتى ١٥ نوفمبر، نفذت دورات تدريبة عديدة، تخرجت منها نحو ٨٥ متدربة، بين خياطة وكوافير، حسب الحريبي.
واللافت في عمل سعاد استخدامها ذراعها وحدسها بدلا من أدوات القياس، لكنها مع ذلك “بارعة”، حسب أكسانا الشجاع، (أوكرانية الجنسية)، مدربة الخياطة في مؤسسة أكسانا للتنمية بصنعاء، بناء على الاختبار الذي خضعت له.
تقول أكسانا لـ “يمن سايت”: “تفاجأت أن سعاد تقص القماش بدون استخدام اي من أدوات القياس… كانت سريعة.. لكنها ممتازة في عملها، وتمتلك ثقة عالية بالنفس”.
لعبة سعاد لم تنته، وما تزال تحلم بتحديث وتطوير “لعبة الطفولة”، حتى تصبح أحلام نساء منطقتها وألعابهن حياة واستثمارا.