لم يكن يخطر على بال أكثرنا تشاؤما أنه سيأتي يوم يتحول فيه أكبر مشروع اقتصادي في بلادنا إلى مجرد وكر ومعتقل في آن واحد؛ وكر تُغزل بداخله خيوط كرة الفوضى الهادفة لتقويض مؤسسات الدولة وكل ما له علاقة بحضورها، ومعتقل يحتضن المخالفين لمشروع الفوضى جنبا إلى جنب عناصر تنظيم القاعدة أو من تم تقديمهم قرابين تحت هذا المسمى. بلحاف ليست منطقة هامشية في جغرافية محافظة شبوة، أو نقطة غير مرئية على الخارطة الجيوسياسية لليمن.
بل لها حضورها التاريخي، إذ أنها تقع بالقرب من ميناء قنا التاريخي كما تسميه النقوش اليمنية القديمة وبات يعرف اليوم بميناء “بئر علي” نسبة للبلدة المطلة عليه.
كما جاء ذكر ميناء قنا في العهد القديم من الكتاب المقدس، وكذلك في المصادر الكلاسيكية الإغريقية والرومانية، ومنها كتاب الطواف حول البحر الإريتري، وكان يسميه بطليموس (ترولا).
كما أن ميناء قنا كان بوابة طريق البخور التاريخي الذي يبدأ من شاطئه على بحر العرب، ويقع بالقرب من الميناء حصن الغراب الشهير الذي عثر عليه الضابط البحري الانجليزي ولستد عام 1834 حيث وجد به نقشين احدهما يتكون من عشرة أسطر، ويرجع تاريخه إلى عام 640 من التقويم الحميري (حوالي525 ميلادية) ويعتبر اول نقش طويل وكامل يعثر عليه، كما ذكر ذلك محمد عبدالقادر بافقيه في مؤلفه تاريخ اليمن القديم.
منشأة تصدير الغاز الطبيعي المسال في مينا بلحاف بمديرية رضوم بمحافظة شبوة، التي أنشئت وفق أفضل المعايير والمواصفات الدولية بكلفة بلغت 5.4 مليار دولار، تعد من ضمن أكبر 20 مشروع تعمل في ذات المجال، كانت قد أفتتحت عام 2009، وتم تصدير أول شحنة للغاز اليمني (147 الف متر مكعب) يوم السبت الموافق 7 نوفمبر سنتذاك، بواسطة الناقلة الكورية “ايبيكا”.
لكن عملية تصدير الغاز توقفت في الربع الأول من العام 2015 على اثر انقلاب مليشيات الحوثي على الدولة اليمنية، حيث أعلنت الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال في ابريل من نفس العام “حالة القوة القاهرة” وأجلت موظفيها، وأبقت المنشأة تحت الصيانة والمراقبة فقط، مما تسبب في تعطل المشروع الذي كانت عائداته السنوية تتجاوز الأربعة مليار دولار يذهب نصفها للحكومة اليمنية، والنصف الآخر للشركاء وأبرزهم شركة توتال الفرنسية التي تستحوذ على ما نسبته 40%.
تحررت شبوة من مليشيات الحوثي التي لم تصل إلى مديرية رضوم حيث يقع المشروع، لكنه – أي المشروع- ما زال خارج دائرة العمل بسبب تحويله إلى ثكنة عسكرية اماراتية.
ميناء بلحاف كان أحد أهداف تدخل الإمارات في اليمن، في اطار معركتها للسيطرة على الموانئ والجزر اليمنية، وفي سبيل ذلك أسستْ مليشيات وفرتْ لها كل سبل الدعم من مال وتسليح، وقد حولت الميناء إلى ما يشبه القاعدة العسكرية ومعتقل يتعرض فيه المخالفون لها لشتى صور التعذيب.
بذلت السلطة المحلية بمحافظة شبوة جهود كبيرة باتجاه تطبيع الحياة والحفاظ على حضور الدولة وتماسك مؤسساتها رغم التحديات التي كان أبرزها محاولة الانقلاب الذي قامت به مليشيات النخبة التابعة لدولة الإمارات في اغسطس من العام الماضي، وكذلك تعنت الامارات ورفضها تسليم ميناء بلحاف للسلطة بعد أن حولته إلى ثكنة عسكرية ومعتقل سري.
كان محافظ شبوة محمد صالح بن عديو قد وجه الاتهام صراحة للإمارات في تصريحات صحفية سابقة برفضها تسليم المنشأة التي تسيطر عليها منذ 2015 لأهداف خاصة بها، دون أن تقدم طلقة رصاص واحدة للمقاومة والجيش في مواجهة مليشيات الحوثي أثناء تواجدها في المحافظة. وقال المحافظ إن الرئيس عبدربه منصور هادي أكد له أن ميناء بلحاف واحد من تسعة مواقع ستغادرها القوات الإماراتية، لكن شيئاً من هذا لم يحدث.
تعطيل مشروع الغاز المسال بهذا الشكل التعسفي، عدا انه يمثل انتهاكا للسيادة، تسبب في وقف مورد اقتصادي هام، اليمن أحوج ما تكون إليه في هذه المرحلة العصيبة من تاريخها، كما أنه قد أغلق الباب أمام المئات من العمالة المحلية.
ما يحدث في بلحاف جريمة تدين تحالف دعم الشرعية وتميط اللثام عن تساؤلات محقة للشارع حول الأهداف الخفية لتدخله في اليمن.